لست في خصومة مع النادي الأهلي، ولا مع جماهيره التي أكنّ لها كل الاحترام، ولا مع تاريخه الذي يبقى جزءاً من تاريخ الرياضة السعودية، لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نقف بحزم أمام بعض الإعلام المحسوب عليه، حين يتجاوز حدود التعصب الرياضي إلى العبث بالوقائع، وتحريف التاريخ، وتكرار روايات لا تسندها وثيقة ولا يدعمها دليل.
-لقد جُرِّبت كل وسائل الحوار. كُتبت المقالات، وأُبرزت الوثائق، واستُعرضت المراجع، وتحدث المؤرخون والباحثون، على أمل أن يكون الاحتكام إلى الحقيقة كافياً لإنهاء هذا الجدل. إلا أن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ ازداد الإصرار على ترديد الرواية نفسها، وكأن كثرة التكرار قادرة على تحويل الخطأ إلى حقيقة.
-إن المشكلة لا تكمن في اختلاف وجهات النظر، فهذا حق مشروع، وإنما في مصادرة الحقائق التاريخية، والتشكيك في جهود رجال أفنوا سنوات طويلة في توثيق تاريخ الرياضة السعودية، وقدّموا مؤلفات أصبحت مراجع معتمدة. ومن المؤسف أن يقابَل هذا الجهد العلمي بحملات تشكيك لا تستند إلى وثيقة، ولا تقدّم دليلاً واحداً يمكن البناء عليه إنما «فزعات» تشترك وتشجع وتدعم تشويه التاريخ وتضليل الرأي العام.
-ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يتعلق بعدد بطولات الدوري، فبعد أن ظل الجميع لعقود يتعامل مع بطولات الدوري وفق تصنيف واضح ومحدد، ظهر من يطالب برفع العدد من ثلاث بطولات إلى تسع، عبر احتساب بطولات المناطق ضمن سجل الدوري، رغم اختلاف طبيعتها ونظامها وأسلوب تنظيمها. ومهما اختلفت الآراء، فإن تغيير المسميات لا يغيّر الحقائق، كما أن احترام التاريخ يقتضي التمييز بين المسابقات، لا دمجها لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، كنوع من «جبر الخواطر»، مثلما حدث في قضية تخص ناديهم مع الليث الشبابي وقد وزعوا الاتهامات ضد رئيس نادي الشباب آنذاك وكل من وقف داعماً لكلمة الحق، رافضاً العبث بالأنظمة، ليأتي الإنصاف عبر بيان رسمي يوثق مخالفة وقعت فيها إدارة الأهلي وكان من الممكن أن يهبط الأهلي لولا ذلك الاعتذار الذي يتضمن ذلك البيان وحالة من «جبر الخواطر» أشار إليها الأستاذ تركي آل الشيخ في تصريح متلفز.
-وينسحب الأمر ذاته على لقب (الملكي) الذي ارتبط تاريخياً بنادي ريال مدريد الإسباني لاعتبارات معروفة. أما محلياً، فقد صدر بيان رسمي من الاتحاد السعودي لكرة القدم في عهد رئيسه الأسبق الأستاذ عادل عزت المعروف بميوله الأهلاوية يمنع استخدام هذا اللقب، ومع ذلك استمر تداوله في المدرجات، وفي بعض المنابر الإعلامية، وكأن القرارات التنظيمية تُطبَّق على الجميع، ويُستثنى منها من يملك القدرة على فرض الأمر الواقع تحت بند «جبر الخواطر».
-ولم يتوقف الأمر عند البطولات الوهمية والألقاب المسلوبة والأهازيج المطبوخة، بل امتد إلى إعادة تفسير أحداث تاريخية موثقة، ومحاولة صناعة روايات بديلة لا تصمد أمام الوثائق. رأينا ذلك في الحديث عن هبوط الأهلي، وفي الجدل الذي أثير حول مباراة 8-2، وغيرها من الوقائع التي حاول البعض إعادة تقديمها بصورة مختلفة، رغم أن التاريخ لا يُكتب بقلب الحقائق.
-وبما أن حجتهم كانت ضعيفة، أصبح التشكيك في المؤرخين أسهل من مناقشة ما كتبوه، وأصبح الهجوم على أصحاب الوثائق بديلاً عن الرد على الوثائق نفسها. وهذه ليست ممارسة إعلامية مهنية، بل أسلوب يفتح الباب أمام فوضى تاريخية يدفع ثمنها الجميع، وليس نادياً بعينه.
-وهنا لا أُخفي استغرابي من استمرار صمت بعض الجهات ذات العلاقة، رغم أن حماية التاريخ الرياضي مسؤولية مشتركة، وأن ترك الساحة لمن يعبث بالحقائق يمنح الانطباع بأن كل رواية قابلة لأن تصبح حقيقة إذا وجدت من يكررها بما يكفي.
-إن الدفاع عن التاريخ ليس دفاعاً عن الاتحاد، ولا عن الهلال، ولا عن النصر، ولا عن الأهلي، بل دفاع عن ذاكرة الرياضة السعودية، وعن حق الأجيال القادمة في أن تقرأ تاريخاً كما وقع، لا كما أراد له المتعصبون أن يكون.
-وأقولها بوضوح: لست ضد أي نادٍ، ولسنا أوصياء على التاريخ، لكن نرفض أن يتحوّل الكذب إلى وجهة نظر فيها من التملق والتزييف، وأن يصبح التكرار وسيلة لمصادرة الحقائق، وأن يستمر الصمت بحجة المجاملة تحت بند «جبر الخواطر».
-بكل وضوح وصراحة التاريخ الرياضي لا يكتبه الأكثر صخباً، ولا تنتصر فيه الرواية الأكثر تحرفياً، وإنما تبقى الكلمة الأخيرة للوثيقة، وللحقيقة، ولمن احترم عقل المتلقي قبل أن يخاطب عاطفته.
-أخيراً وليس آخراً..صدق من قال «قد يصنع الضجيج شهرة، وقد يصنع التعصب جمهوراً، لكنه لن يصنع تاريخاً، لأن التاريخ لا يعترف إلا بالحقيقة».