لم يعد النزاع على رقائق العجين والمكسرات مجرد نقاش عابر بين الطهاة، بل تحول رسمياً إلى مواجهة ديبلوماسية حامية الوطيس داخل أروقة منظمة «اليونسكو». فقد اشتعل صراع شرس بين تركيا واليونان وسورية، لحسم السؤال التاريخي المحيّر: من هو المالك الحقيقي للبقلاوة؟

هذا الخلاف الذي طفا على السطح مجدداً يعكس كيف تحولت الأطباق المشتركة إلى ساحات ساخنة لإثبات الهوية الوطنية بعد انهيار الإمبراطوريات القديمة.

الجبهة التركية: سجلات السلاطين وبقلاوة «عنتاب»

تتسلح تركيا في هذه المعركة بمستندات تاريخية دامغة، إذ تعتمد على:

  • أوراق قصر «طوب قابي» في إسطنبول التي تثبت أن البقلاوة بشكلها الحديث كانت تُقدم في احتفالات السلاطين العثمانيين الرسمية منذ القرن الخامس عشر.
  • مدينة «غازي عنتاب»، العاصمة العالمية للبقلاوة، التي نالت اعترافاً من الاتحاد الأوروبي عام 2013 بمؤشر الحماية الجغرافي لبقلاوتها الشهيرة.

الحجة اليونانية: كلمة «فيلو» وحلوى بيزنطة القديمة

على الجانب الآخر، يرى اليونانيون أن الأتراك أخذوا الفكرة من المطبخ البيزنطي والإغريقي. ويستند باحثوهم إلى تاريخ حلوى تسمى «Placenta» كانت تتكون من طبقات العجين والعسل والمكسرات.

كما يرفع اليونانيون ورقة لغوية قوية، وهي أن كلمة «فيلو» (Phyllo)، التي تُطلق على عجينة البقلاوة الرقيقة، هي كلمة يونانية الأصل وتعني «الورقة»، مما يعزز فرضيتهم بأن مهارة رق العجين ولدت لديهم.

السوريون على الخط: حلب منبع الفستق الملكي

وسط هذا الصراع الصاخب، يطالب السوريون بحصتهم التاريخية في الملكية الفكرية، مذكرين العالم بأن مدناً كدمشق وحلب هي مهد صناعة الحلويات الفاخرة منذ قرون.

ويشير الطهاة السوريون إلى أن «الفستق الحلبي»، المكون الأساسي والأغلى في أجود أنواع البقلاوة، يحمل اسم مدينة حلب ذاتها، وأن الحرفيين الشوام هم من نقلوا وسحروا مطابخ القصور العثمانية بلمساتهم الإبداعية وتطويرهم لهذه الوصفة الملكية.

ماذا يقول مؤرخو الطعام؟

بعيداً عن الصراع السياسي، يرى خبراء الطهي أن البقلاوة الحديثة ليست حكراً على أحد، بل هي نتاج «تلاقح حضاري» طويل ومعقد تم طبخه على نار هادئة عبر القرون، إذ تداخلت فيه مهارات المطبخ العربي، والبيزنطي، والأناضولي، لتخرج لنا هذه التحفة المقرمشة التي تجمع الشعوب في حبها وتفرقهم في أصلها.