تشهد الصناعات الإبداعية في السنوات الأخيرة اهتماماً عالمياً متزايداً بفنون القصص المصوّرة، وفي مقدمتها المانقا اليابانية التي أصبحت إحدى أبرز أدوات «القوة الناعمة» لليابان. وقد نجحت المانقا في الانتشار عالمياً لكونها فناً لا يكتفي بالترفيه، بل يحمل قصة متماسكة، ورحلة تطور إنساني، وأبعاداً جمالية وثقافية عميقة تتصل بهوية المجتمع الياباني وتراثه وقيمه.
وفي المقابل، قدّمت الكوميكس الأمريكية نموذجاً مختلفاً، يعتمد على أبطال خارقين يمتلكون قدراتهم منذ البداية، وعوالم واسعة متشابكة، وأحداث كبرى تشترك فيها شخصيات متعددة ضمن منظومات سردية ضخمة مثل Marvel وDC. وعلى الرغم من اختلاف المدرستين، فإن نجاحهما يعود إلى عنصر واحد مشترك: الانطلاق من الهوية الثقافية المحلية والقدرة على تحويلها إلى منتج عالمي.
اليوم، يبرز السؤال بطموح ووضوح:
هل تستطيع المملكة العربية السعودية أن تطلق «مانقا سعودية» تستند إلى تراثها العريق وحاضرها المزدهر؟
إن الإجابة تتجه بقوة نحو «نعم»، إذا تم استلهام الهوية الثقافية السعودية الثرية، بما تحمله من تنوع بيئي وجغرافي، وعمق تاريخي، وقيم إنسانية راسخة. فالسعودية، بما تمتلكه من إرث صحراوي وجبلي وبحري، وبما تشهده من تحولات تنموية وثقافية، تمتلك مادة سردية هائلة جديرة بأن تتحول إلى محتوى بصري منافس عالمياً.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تجاوز بعض المحاولات التي لم يحالفها التوفيق، مثل قصة «الولد الضب»، التي لم تعكس جوهر الهوية السعودية ولا عمقها الحضاري، ولم تقدّم شخصية بطولية يمكن أن تمثل المملكة أمام العالم أو تشكّل نموذجاً يُحتذى به. فالمحتوى السردي الناجح لا يقوم على الطرافة العابرة، بل على بناء هوية بطولية حقيقية تستلهم التاريخ والبيئة والقيم.
ومن هنا تبرز مبادرة لصناعة عالم أبطال سعوديين يعكس الإرث التاريخي والتنوع الجغرافي والإنساني للمملكة، ويقدّم نماذج بطولية تستند إلى الثقافة التراثية والحضارية:
• سعود – سيد الرمال (نجد): بطل يستمد قوته من الصحراء، يعكس قيم الصمود والقيادة المرتبطة بتاريخ وسط الجزيرة.
• نورة – فارس الظل (الشرقية): بطلة محنكة تمتطي حصاناً مجنحاً، وتمثل الحكمة والشجاعة النسائية العربية ومهارات التحقيق والقتال.
• فيصل – سيد البحر (البحر الأحمر): بطل بحري يتحكم بالأمواج والكائنات البحرية، مستلهم من إرث البحر الأحمر وتاريخه التجاري والإنساني.
• هيلة – روح الجبل (الجنوب): بطلة تتصل بالطبيعة، تتحكم بالأشجار والصخور، وتمثل جمال الجنوب وتراثه الأصيل.
• حاتم – نار الشمال: بطل يتحكم بالنار، يعكس صلابة أهل الشمال، ودفء كرمهم، وقوة ارتباطهم ببيئتهم.
هذه الشخصيات لا تهدف إلى الترفيه فحسب، بل تسعى إلى تقديم أيقونات سردية سعودية قادرة على المنافسة عالمياً، ونقل الثقافة المحلية بأسلوب حديث ومؤثر. إنها خطوة نحو تأسيس «عالم مانقا سعودي» يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويعكس روح المملكة وتاريخها وقيمها، ويقدّم للشباب نماذج بطولية مشرفة تستحق الاقتداء.
وفي ظل التطور السريع للقطاع الثقافي وصناعة المحتوى والترفيه في المملكة، تبدو الفرصة مهيأة لإطلاق هذا النوع من المشاريع التي تجمع الفن بالهوية، والخيال بالتراث، والحاضر بالمستقبل.
فالسعودية اليوم ليست مجرد مستهلك للثقافة العالمية، بل هي صانع محتوى قادر على تقديم رواية جديدة.. رواية سعودية، عالمية الأثر، عميقة الجذور.