عند كلّ استحقاق في لبنان، تتجه الأنظار إلى المملكة العربية السعودية. وعند كلّ زيارة لمسؤول الملف اللبناني الأمير يزيد بن فرحان، تتجدد التساؤلات حول عودة العلاقات إلى سابق عهدها بين لبنان والمملكة.
فمنذ أزمة عام 2017، ترسّخت لدى كثير من اللبنانيين، ولا سيما في الشارع السني، قناعة بأن المملكة ابتعدت عن الملف اللبناني وتركت لبنان لمصيره، في قطيعة بدت غير مألوفة في بلد ارتبط بعلاقات وثيقة مع المملكة منذ قيام دولة لبنان. لذلك، يبقى السؤال حاضراً مع كل خطوة أو موقف سعودي: هل عادت المملكة إلى لبنان؟
في لقاء جمعني قبل أكثر من عام بإحدى الشخصيات السعودية المرموقة، قلت له إنني كنت أتابع وأراقب سياسة المملكة في لبنان بصمت منذ سنوات، في محاولة لفهمها. في البداية، كنت أنظر إلى هذه السياسة من زاوية لبنانية بحتة، فتتزاحم في ذهني تساؤلات مواطنة لبنانية تنظر إلى الأحداث من منظور عاطفي ضيق، شأنها شأن كثير من القضايا التي نغرق فيها بين نوستالجيا الشعارات وأوهام الرهانات، تحت وطأة الأحداث المتلاحقة في بلدنا. لكن عندما نجحت في خلق مسافة بيني كمواطنة وبين هذه السياسة، وتعاملت معها من زاوية نقدية، والأهم من ذلك من منظور سعودي، بدأت أفهمها بصورة أعمق، وأفهم أكثر سياسة المملكة وولي عهدها. فقد أدركت حينها أن ما قامت به المملكة طوال هذه السنوات كان المسار الطبيعي. واليوم أقول إن المملكة قدّمت للبنان فرصة مهمة، شرط أن يحسن اللبنانيون الاستفادة من تجربتها. ولتوضيح ذلك، سأتناول في هذا المقال نقطتين أساسيتين: المساعدات الإنسانية والاقتصادية السعودية في لبنان، وسياسة المملكة تجاه الساحة السنية السياسية في لبنان.
في ما يخص المساعدات، يجب التفريق أولاً بين المساعدات الإنسانية الطارئة وبين المساعدات الاقتصادية التقليدية التي اعتاد لبنان على تلقيها من المملكة منذ استقلاله عام 1943. فمنذ ذلك التاريخ، نشطت العلاقات التجارية والصناعية والمصرفية والقروض والمساعدات بين البلدين، حيث تضاعفت الاستثمارات السعودية في لبنان في بداية خمسينيات القرن الماضي مع ظهور النفط في المملكة. وخلال الحرب الأهلية، استمرت المملكة في تقديم المساعدات للدولة اللبنانية وللمؤسسات الأهلية عبر الدولة مباشرة أو من خلال سفير المملكة آنذاك علي الشاعر، قبل بروز الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي تحوّل إلى القناة الوحيدة للمساعدات والاستثمارات السعودية على اختلافها. وفي عام 2006، استمرت المملكة في دعمها للبنان في قطاعات عدة، من ضمنها فتح وديعة اقتصادية والمساهمة في إعادة الإعمار بعد حرب تموز 2006. وفي ذروة الالتباس في العلاقة بين قيادة المملكة والحكومات اللبنانية المتعاقبة، استمرت المساعدات الإنسانية الطارئة للبنان عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بعد الانهيار المالي الناتج عن الفساد السياسي والمالي اللبناني عام 2019، حيث تم تقديم منح دراسية ومساعدات إغاثية وطبية وغذائية، بالإضافة إلى تدخل المملكة بعد تفجير مرفأ بيروت عام 2020، وغيرها من المساعدات حتى يومنا هذا.
تكشف تجربة العقود الماضية أن مشكلة المملكة لم تكن يوماً مع لبنان أو شعبه، بل مع منظومة حكم استنزفت المساعدات وحوّلتها إلى أدوات للهدر والزبائنية. وحتى بعد انهيار عام 2019، ورغم فتور العلاقة بين البلدين على المستوى الرسمي، أرسلت المملكة وفداً وزارياً رفيعاً حاملاً تصوراً لمعالجة الأزمة، لكن معظم المسؤولين السياسيين آنذاك، بحسب المعلومات، لم يهتموا إلا بالحصول على مساعدات مباشرة لصرفها في السياسة الداخلية.
قد يسأل أحدهم: لماذا الآن، ومشكلة الفساد لطالما كانت موجودة في لبنان؟ نسبياً، هذا السؤال مشروع، مع أنه تجدر الإشارة إلى أن لبنان لم يسبق له أن شهد هذا الفساد المستشري منذ ما بعد عام 2005، وصولاً إلى سرقة الودائع في أكبر عملية احتيال منظمة في التاريخ. وللإجابة عن هذا السؤال، يحضر هنا الحديث عن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورؤية السعودية 2030، التي لا تقتصر على مشاريع تنموية واقتصادية وغيرها، بل هي نهج وفلسفة حكم يشكل العمل المؤسسي السليم للدولة العمود الفقري لها. كما أن هذه الرؤية لا تقف عند حدود المملكة فقط، بل تشكل الإطار العام للسياسة الخارجية السعودية، لا سيما في مجال المساعدات للدول العربية. ومن أبرز ملامح هذا التحول في مسألة المساعدات، الانتقال من اعتماد البلدان على ثقافة «المساعدة» إلى مفهوم «الاستثمار المؤسسي في الدولة» عبر مشاريع تنموية طويلة الأمد تؤمن الاستدامة وتحميها من الفساد الناتج عن الاستخدام الزبائني والمصالح السياسية الفئوية للأحزاب والسياسيين.
من هنا، فإن عودة الحضور الاقتصادي السعودي عبر قرار رفع الحظر عن الصادرات، الذي صدر مؤخراً، جاءت نتيجة خطوات أولية اتخذتها الحكومة اللبنانية، وفي مقدمتها مكافحة تهريب الكبتاغون من لبنان، الذي شكل استهدافاً مباشراً للمملكة. وانطلاقاً من فلسفة الدولة التي تقوم عليها رؤية 2030، يمكن فهم اعتماد المملكة سياسة «الخطوة مقابل خطوة»، بحيث يرتبط أي انفتاح اقتصادي أو استثماري بمدى التزام الدولة اللبنانية بتعهداتها، سواء لجهة فرض سلطتها على كامل أراضيها، أو حصر السلاح بيدها، أو تنفيذ إصلاحات فعلية في مؤسساتها. قد تبدو هذه المقاربة قاسية في نظر بعض اللبنانيين، لكنها تعبّر عن انتقال المملكة من منطق المساعدات غير المشروطة إلى منطق الشراكة القائمة على المسؤولية المتبادلة. ومع ذلك، ما تزال الخطوات المنجزة أولية، إذ لا تزال الدولة تواجه تحديات كبيرة في تطبيق الإصلاحات وترسيخ سيادتها بصورة كاملة.
هل تركت المملكة السنّة في لبنان؟
لم تكن «رؤية السعودية 2030» مجرد خطة تنموية، بل مثّلت تحولاً في مقاربة المملكة لمختلف الملفات، بما فيها السياسة الخارجية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم السياسة السعودية تجاه لبنان بوصفها جزءاً من رؤية أوسع تقوم على تعزيز دور الدولة والمؤسسات وربط الشراكات والمساعدات بمعايير الاستقرار والإصلاح والمسؤولية المتبادلة.
في لبنان، لم يقتصر التغيير في سياسة المملكة تجاه لبنان على مسألة وجود سلطة دولة فاعلة وخطة إصلاحية فحسب، بل شمل أيضاً مقاربة المملكة للعلاقة مع الساحة السنية، لا سيما مفهوم الزعامة السياسية، بحكم الارتباط التاريخي بين السنّة في لبنان والمملكة بأشكال مختلفة على مدى عقود.
وبصرف النظر عن الأسباب الخاصة بالمقاربة الجديدة التي تتبعها المملكة في لبنان لجهة رفع «حصرية» التمثيل السني، فإن هذا النهج، إذا ما فهمنا فلسفة الحكم التي أرستها رؤية 2030، يشكل صلب الرؤية التي تقوم على تكريس المؤسسات والدولة لا الأحزاب والأفراد.
وبالطبع، تهدد سياسة رفع حصرية التمثيل منظومة الزعامات التقليدية القائمة على الولاء والخدمات والمحاصصة، لا في الساحة السنية فحسب، بل في الحياة السياسية اللبنانية عموماً باسم «الصيغة اللبنانية». لذلك، يُعاد دائماً إحياء مصطلحات مثل «الفراغ السني» أو غياب «التمثيل السني» أو «الكاريزما والزعامة»، في محاولة لمواجهة أي مسعى لتطوير الحياة السياسية اللبنانية القادرة على إنتاج البرامج.
ومن هنا، فإن نجاح سياسة كسر حصرية التمثيل، بالتوازي مع نجاح نموذج حكم لا ينتمي إلى المنظومة التقليدية، قد يفتح المجال أمام قيام أحزاب أكثر مؤسسية ومنافسة سياسية أكثر صحة تقوم على البرامج لا على الولاءات والخدمات. أما الفشل، فسيمنح القوى التقليدية فرصة جديدة لتكريس منطقها واستعادة شرعيتها باسم حفظ تمثيل الطائفة.
وضعت السعودية رؤيتها من موقعها بوصفها «قلب العالمين العربي والإسلامي وركيزة الاستقرار الإقليمي»، ودعت الآخرين إلى أن يكونوا جزءاً منها. ومن هذا المنطلق، لم تغادر المملكة العربية السعودية لبنان يوماً، بل أعادت صياغة علاقتها به وفق مقاربة جديدة تقوم على الدولة والمؤسسات والمسؤولية المتبادلة. ويبقى السؤال: هل ينجح لبنان في الاستفادة من هذه الفرصة؟