هل لاحظتم ما لاحظته؟ فيما يخص مغادرة منتخبنا السعودي المشارك في نهائيات كأس العالم، التي تنطلق منافساتها اليوم، أرض الوطن دون تلك المراسم والبروتوكولات والتغطية الإعلامية المحلية التي اعتدنا مشاهدتها قبل مشاركاته السابقة كافة، منذ ظهوره التاريخي الأول في مونديال 1994 وحتى آخر مشاركة قبل أربعة أعوام، حيث اكتُفي هذه المرة بلقاء وزير الرياضة ورئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل بلاعبي المنتخب قبل المغادرة، الذي حثهم على تقديم كل ما لديهم من إمكانات وروح عالية، ونقل لهم تحيات وأمنيات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالتوفيق في هذه البطولة.
- حتى على مستوى الوفد الإعلامي المرافق، يبدو أنه أقل حضوراً وعدداً مقارنة بالمراحل السابقة، وفق رؤية مختلفة فرضتها ظروف معينة لا أظنها تغيب عن فطنة المواطن السعودي عامة والمشجع الرياضي خاصة أُخذت في الاعتبار، ولعل أبرزها واقع منتخب مرّ خلال الفترة الماضية بتحولات قاسية لم تكن في الحسبان، غيّرت كثيراً من التطلعات الكبيرة التي كانت معقودة عليه في هذه المشاركة.
- وكان من أبرز الأسباب ما يتعلّق بالمدرب الفرنسي رينارد، الذي خذل الشارع الرياضي السعودي، وقبله الاتحاد السعودي لكرة القدم، وكذلك كل من أوصى أو اقترح عودته لتدريب الأخضر، بعدما تبخرت الآمال التي صاحبت ذلك القرار، ودخل المنتخب في مرحلة من عدم الاستقرار الفني انعكست على نتائجه ومستواه.
- ولعل ما هو مختلف في المشاركة الحالية عن سابقاتها أن المنتخب لم يدخلها بعد فترة إعداد مستقرة، بل جاء إليها وسط متغيرات فنية متسارعة فرضت على الجميع إعادة النظر في سقف التوقعات والتعامل مع الواقع كما هو لا كما نتمنى أن يكون.
- أما فيما يتعلق بالتغطية الإعلامية، سواء على مستوى الصحف أو وكالات الأنباء أو البرامج الرياضية، فلا أظن أنه من الممكن مقارنتها بما كان عليه الإعلام الرياضي المحلي في السابق. صحيح أن إعلام الأمس كان أقل إمكانات وأدوات، لكنه كان أكثر اجتهاداً في البحث عن المعلومة ونقلها وصناعة الحدث، بينما أصبح العالم اليوم قرية واحدة، وبات بإمكان أي متابع، بضغطة زر، أن يصل خلال ثوانٍ معدودة إلى الأخبار والتصريحات والتحليلات واللقاءات وكل ما يتعلق بالمباريات والأحداث بالصوت والصورة.
- ومن منظور إبعاد الأخضر عن أي مؤثرات خارجية أو «ضغوط» نفسية ومعنوية قد تؤثر عليه، فإن تقليص المظاهر المصاحبة للمشاركة الحالية قد يكون أمراً مقصوداً أكثر من كونه استثنائياً، خصوصاً في ظل وجود مدرب لم يحصل بعد على فرصته الكاملة، وهو السيد دونيس الذي أوكلت إليه مهمة تدريب المنتخب قبل نحو شهرين تقريباً، إضافة إلى لاعبين اختلفت مدارسهم التدريبية وتجاربهم الفنية خلال فترة قصيرة.
- ولهذا، لا يمكن تحميل اللاعبين وحدهم مسؤولية ما آلت إليه الأمور، فهم يتعاملون مع ظروف فنية وإدارية متراكمة لم يكونوا طرفاً في صنعها، وسيبقى عليهم داخل الملعب بذل أقصى ما لديهم دفاعاً عن شعار الوطن وتمثيل الكرة السعودية بالصورة المشرفة التي تليق بها فنياً وسلوكاً.
- لذلك أرى أن منتخبنا السعودي في هذه البطولة ليس مطالباً بتحقيق إنجاز يتمثّل في بلوغ مراحل متقدمة، فمن غير المنطق والإنصاف الحكم عليه بالمعايير ذاتها التي نحكم بها على منتخبات سابقة جاءت إلى كأس العالم بعد سنوات من الاستقرار والإعداد والتجهيز. ومن البديهي أن أي منتخب يمر بتغيير فني متأخر يدفع ثمن ذلك على مستوى الانسجام والاستقرار، وهي حقيقة لا تخص المنتخب السعودي وحده، بل تنطبق على جميع المنتخبات إن واجهت الظروف نفسها.
- وفي ضوء المشهد الواضح، كما أرى، أن الشارع الرياضي السعودي بات مهيأً بصورة كاملة لكل الاحتمالات الواردة، وهو ما جعل المسؤولين- من وجهة نظري- يتعاملون مع مشاركة الكرة السعودية في هذا المونديال بصورة مختلفة عما كانت عليه الحال في المشاركات السابقة من جميع النواحي، ومع ذلك، فإن كرة القدم لا تعترف دائماً بالترشيحات المسبقة ولا بالأسماء وحدها، وكثيراً ما صنعت المنتخبات التي دخلت البطولات بعيداً عن الأضواء أجمل مفاجآتها وأبرز إنجازاتها.
- ومن يتذكر مشاركة 1994 يدرك أن كثيراً من التوقعات لم تكن في صالح المنتخب آنذاك، لكن الإيمان بالقدرات والعزيمة داخل الملعب وروح المجموعة كان كفيلاً بقلب الموازين وصناعة إنجاز لا يزال حاضراً في ذاكرة الرياضة السعودية حتى اليوم.
- صحيح أن الجماهير السعودية ستكون حاضرة بكثافة في المباريات التي سيخوضها الأخضر، وستحظى باهتمام كبير بتهيئة الأجواء المناسبة كافة للإقامة والدعم والمؤازرة، كما أن الملايين خلف الشاشات سيتابعونه بشغف، إلا أن القلوب ستبقى معلقة بين الأمل والخوف، وبين التطلعات والواقع.
- لذلك لا نملك إلّا أن نكثر من الدعاء لمنتخبنا الوطني، وأن نتفاءل به كما تفاءلنا بمنتخب 1994 الذي كان عند حسن الظن، رغم أنه واجه في تلك المرحلة ظروفاً متشابهة في بعض جوانبها مع ما يمر به المنتخب الحالي.
- أخيراً وليس آخراً.. دعواتنا للأخضر بالتوفيق، وأن يقدّم الصورة المشرفة التي تليق باسم المملكة ومكانة الكرة السعودية، فتمثيل الوطن في المحافل العالمية يظل مسؤولية عظيمة وشرفاً يتجاوز حدود الفوز والخسارة.