كيف نعرف أن قصة الجريمة جيدة وتستحق عناء القراءة؟

الإجابة ببساطة: حين يبرع الكاتب في إخفاء الجثة!

لكن ما حدث مع «أميدي» ــ بطل مسرحية الكاتب الفرنسي أوجين يونسكو ــ كان أمراً خارجاً عن المألوف؛ إذ كانت الجثة تتضخم يوماً بعد يوم في إحدى غرف شقته الضيقة، حتى زاحمت الأثاث وكادت تملأ المنزل. إنها مسرحية عبثية بامتياز، تجسّد تضخم مشكلاتنا، والتعفن الذي يتسلل إلى تفاصيل حياتنا، وعلاقاتنا، وبيوتنا. وعندما قرر أميدي أخيراً أن يغرق الجثة في النهر، طارت به في السماء كبالون هيليوم فوق المدينة، ليتخفف فجأة من كل الأثقال التي حاصرته في الماضي.

أما في رائعة إدغار آلان بو، فقد أخفى القاتل جثته بإتقان شديد تحت خشبات أرضية الغرفة، لدرجة عجز معها أمهر المحققين عن كشفها. لكن الكارثة حلّت من حيث لا يحتسب؛ إذ ظل طوال الوقت يسمع صوت نبضات قلب القتيل تصدح من تحت قدميه وهو يسير في البيت. لقد نجح في إخفاء جريمته عن العالم كله، لكنه عجز تماماً عن حجبها عن ضميره المؤرق.

وفي رواية «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز، يقتل «خوسيه أركاديو بوينديا» جاره، لكن الجار المقتول يتحوّل إلى طيف يزوره كل ليلة في منزله، لا لينتقم، بل ليغسل الدماء عن جراحه في مشهد يقطر أسى.

بينما في أعمال الكاتب الإيطالي داريو فو، يأخذ التخلص من الجثث طابعاً كوميدياً سوداوياً؛ إذ يحدث بدافع الفقر والواقعية المريرة، بهدف تجنّب التحقيقات الرسمية والإبقاء على الراتب التقاعدي للمتوفى!

وفي الأدب العربي، تتسع المأساة لتصبح وطناً؛ ففي رواية «باب الشمس» لإلياس خوري، يضطر الناس لدفن موتاهم داخل بيوتهم تفادياً لرصاص القناصة في الخارج، ليتحوّل الوطن في زمن الحرب إلى مقبرة جماعية كبرى، يعيش فيها الجميع ــ الأحياء والأموات على حد سواء ــ حياة البرزخ.

إن الأعمال الأدبية التي تتناول موضوع «إخفاء الجثث» تذهب إلى أبعاد أعمق بكثير من مجرد قصص الجرائم والبحث الجنائي التقليدية؛ فموضوعها الحقيقي ليس البحث عن الجاني، بل البحث عن مصائرنا نحن، وعن الجثث المخبوءة في ضمائرنا.. إنها حكايات تفتش عن تلك البقايا الراقدة في أعماقنا، والتي لا تكف عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية والإنسانية.