قبل أسبوعٍ فقط، كانت عسير تحتفل بتتويج نادي أبها بطلًا لدوري يلو وصعوده إلى دوري المحترفين، بعد أن سخَّرت المنطقة دعمها الكامل له؛ لإيماننا أن العزائم حين تتحد... تصبح المستحيلات أقرب، ويصبح الإنجاز قصة مجتمعٍ كامل، لا قصة فريقٍ فقط.
إن المناطق لا تصعد وتبلغ القمم بما يُبنى على الأرض فقط، بل بما يُبنى داخل الإنسان من شعورٍ بالشراكة والانتماء، ومن الروح التي تجعل المجتمع كله يشعر أنه جزءٌ من الرحلة، وأن الجميع يحملون الحلم نفسه.
وحين يحدث ذلك...
تتحوَّل العزائم إلى عزيمةٍ واحدة، تؤمن أن القمم لا تُبلغ إلا معًا.
ومساء أمس الخميس... كانت أمام نادي ضمك أربعة احتمالات، وكان أحدها يكفي ليبقى في دوري المحترفين:
الأول: التعادل مع النصر.
الثاني: الفوز على النصر.
الثالث: تعادل الرياض مع الأخدود.
الرابع: فوز الأخدود على الرياض.
أما الاحتمال الخامس
-وهو الاحتمال الوحيد الذي كنا نرجو ألا يقع- فكان أن يخسر ضمك أمام النصر، وينتصر الرياض على الأخدود؛ في وقتٍ واحد، وهو الاحتمال الذي حدث، وكان يعني خروج ضمك من دوري المُحترفين بالكامل.
وحين بذلنا كل ما نستطيع لتفادي ذلك الاحتمال -الاحتمال الخامس- ثم وجدنا أنفسنا أمامه رغم كل شيء... أدركنا معنىً لا تمنحه النجاحات السهلة:
أن الإنسان قد يُحسن التدبير، لكن الله وحده يملك المقادير.
فما وقع لم يكن درسًا في فشل السعي، بقدر ما كان درسًا في حدود القدرة البشرية؛ إذ طرقنا الأبواب كلها، ثم فُتح أمامنا الباب الذي لم نرده.
وكأن القدر أراد أن يعلِّمنا أن الإنسان مهما اتَّسعت رؤيته، تبقى هناك حكمةٌ أعلى من حساباته، وأن بعض الطرق تُغلق رغم صدق الجهد، لا لأن المحاولة كانت ناقصة... بل لأن النهاية التي أرادها الله كانت في اتجاهٍ آخر لم نره بعد.
وأحيانًا لا يُريك الله الاحتمال الذي تخشاه ليكسرك، بل ليُحررك من وهم السيطرة الكاملة؛ فكثيرٌ من البشر يظنون أن التخطيط كافٍ لصناعة النتيجة، حتى تأتي لحظةٌ يتعلمون فيها أن الحياة لا تُدار بالإرادة وحدها، بل بالتسليم بعد استنفاد الإرادة.
فتتعلم أن الأخذ بالأسباب عبادة، وأن الرضا بعد استنفادها إيمان.
لقد كنا نظن أن كثرة الاحتمالات تُبعد هذا الخيار، لكن وقوعه رغم ذلك كشف لنا حقيقةً أعمق:
أن بعض الأقدار لا تأتي لتُعاقبنا، بل لتُربِّينا، وتُعيد تشكيل وعينا بأنفسنا، وتعلِّمنا التواضع أمام الحكمة الإلهية؛ حتى نُدرك أن ما نراه نهايةً غير مرغوبة... قد يكون بدايةً لفهمٍ أعمق لأنفسنا، ولمعنى التوكل الحقيقي.
فليست كل الأبواب المغلقة خسارة؛ فبعضها يفتح داخل الإنسان أبوابًا من النضج، ما كانت لتُفتح لو انتصر.
فالعبرة ليست أن «الاحتمال الخامس» قد وقع، بل ماذا صنع وقوعه داخلنا؟
هل أورثنا تذمرًا يستهلك الروح، أم نضجًا يزيدها إيمانًا؟
قد يُدرك الإنسان متأخرًا أن الله حين أغلق بابًا في وجهه، كان يفتح داخله بابًا أعمق... للفهم، والحكمة، والرحمة.
واسم ذلك الباب:
«الاحتمال الخامس»