الصحف ليست مجرد أوراق تُطوى وتُلقى بعد ساعات من قراءتها، بل هي رافعة ثقافية وصوت يومي يرافق الإنسان في تفاصيل حياته. ورغم التحوّلات الرقمية المتسارعة، لا يزال كثيرون يشعرون بحنين جارف إلى ذلك الزمن الذي كانت فيه أكشاك الصحف أشبه بمكتبات صغيرة مفتوحة للجميع، تقدّم المعرفة بصورة سريعة وخفيفة، بعيدة عن تعقيد الكتب المتخصصة وطولها. كانت الصحيفة مساحة تجمع السياسة والثقافة والفكر والأدب في صفحات محدودة، لكنها قادرة على منح القارئ صورة واسعة عن العالم خلال دقائق قليلة.
لقد ارتبطت الصحف بحياة الناس ارتباطاً وثيقاً، فكانت رفيقة السفر والترحال، وحاضرة في المقاهي والمطارات ومحطات القطارات، بل وحتى في البيوت التي يبدأ صباحها برائحة الورق والحبر. وكلما زرت مدينة جديدة، أجد نفسي مدفوعاً نحو مكتباتها القديمة وأكشاك الصحف المنتشرة في شوارعها، لأن تلك الأماكن تمنح الزائر نبض المجتمع الحقيقي. وما يلفت الانتباه أن الدول الأوروبية، رغم تقدّمها التقني والاقتصادي الكبير، لا تزال تحافظ على حضور الصحف الورقية، التي تُطبع وتباع يومياً بأعداد كبيرة، في مشهد يؤكد أن التطوّر لا يعني بالضرورة إلغاء الورق.
وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن عالمنا الخليجي يتعامل مع الصحف وكأنها عبء قديم يجب التخلص منه سريعاً، بحجة أن الناس لم تعد تقرأ. غير أن هذا التبرير يفقد منطقه حين ننظر إلى النجاح الكبير الذي تحققه معارض الكتب في دول الخليج، حيث تباع مئات الآلاف من النسخ الورقية سنوياً. فإذا كان القارئ لا يزال يقبل على الكتاب الورقي بهذا الشغف، فلماذا نحاول القضاء على الصحيفة؟ هناك ورق ينجح ويُحتفى به، وهنا ورق يتم التخلي عنه، رغم أن كليهما يؤدي الدور نفسه في نشر المعرفة.
إن الدفاع عن الصحف ليس دعوة للعودة إلى الماضي بقدر ما هو دفاع عن قيمة ثقافية لا تزال قادرة على البقاء. فطالما أن الإنسان يجلس إلى طاولة صباحية يحتسي قهوته، ستظل الصحيفة جزءاً من هذا المشهد. كما أن للصحافة الورقية ميزة مهمة تتمثّل في قوة الفرز والانتقاء؛ فالمساحات المحدودة كانت دائماً تدفع إلى نشر الأفضل والأجود، لا الأكثر شهرة أو إثارة فقط.
وأزمة الصحافة اليوم ليست في ورقيتها، بل في غياب التجدّد الحقيقي. فلو استطاعت الصحف الخليجية تطوير محتواها وأدواتها بما يواكب العصر، لعاد إليها القارئ بشغف أكبر. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى دعم ثقافي حقيقي للصحافة، باعتبارها جزءاً من مشروع القراءة وحماية المهنة وصناعة جيل يرى في القراءة عادة يومية، لا مجرد واجب مدرسي عابر.