في صباح صيفي حار، وقبل أن تبدأ الحركة التجارية المعتادة في أحد المراكز التجارية، يتشكّل مشهد مختلف تمامًا. أبواب المول تُفتح، لا للمتسوقين، بل لأشخاص جاءوا فقط للمشي. كبار سن يبحثون عن مساحة مكيّفة، موظفون يستثمرون ساعة قبل العمل، وعائلات تحاول الهروب من حرارة الصيف الملتهبة. للوهلة الأولى يبدو المشهد اعتياديًا، لكنه في الحقيقة يعكس فكرة اقتصادية أعمق بكثير تتمحور حول كيف يمكن للأصول القائمة أن تنتج قيمة جديدة دون استثمارات رأسمالية إضافية.

المدن الأكثر كفاءة اقتصاديًا خرجت من مفهوم الكم في عدد المشاريع التي تبنيها، إلى الكيفية في استخراج القيمة من الأصول المتاحة. وهنا يُطل علينا سؤال حاد كرأس السهم؛ لماذا تبقى آلاف المرافق والمساحات العامة شبه معطلة خلال العطل الأسبوعية وإجازات الصيف، رغم أنها قادرة على صناعة أثر اقتصادي، واجتماعي، وصحي، واسع؟

هذا ما أدركته مبكرًا مدن عديدة حول العالم عندما تبنّت مفهوم «المشي داخل المراكز التجارية»، حيث إن الفكرة لم تكن مبادرة اجتماعية بقدر ما كانت إعادة تعريف لوظيفة الأصل التجاري نفسه. المساحات التي كانت خاملة في ساعات الصباح تحوّلت إلى حركة بشرية، والحركة البشرية هي الشرارة الأولى لأي نشاط اقتصادي. علاوة على ذلك، كل شخص يدخل المكان يرفع احتمالات الاستهلاك، حتى وإن لم يكن هدفه الشراء في البداية. فالمشي يقود إلى القهوة، والقهوة تقود إلى الجلوس، والجلوس يقود إلى الاستهلاك. من هنا تبدأ القصة الحقيقية حيث إن المشكلة ليست دائمًا في نقص المرافق، بل في ضعف كفاءة استخدام ما نملكه أصلًا.

الأثر لا يتوقف عند الصحة فقط. زيادة الحركة داخل المدن تعني زيادة الطلب على الخدمات المحيطة كالمقاهي، ومتاجر الرياضة، والتطبيقات الصحية، والأنشطة المجتمعية. وهذا ما نسميه اقتصاديًا «الأثر المضاعف»، حيث يقود تدخل بسيط منخفض التكلفة إلى دورة أوسع من النشاط الاقتصادي غير المباشر. ومن هذا المنطلق، تؤكد لنا التجارب العالمية أن التحدي الحقيقي يكمن في تصميم بيئة تجعل استخدامها جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية. الناس لا يغيّرون سلوكهم بسهولة، ولهذا يصبح دور السياسات الحضرية مهمًا في جعل الخيار الصحي هو الخيار الأسهل والأقرب والأقل تكلفة.

في كثير من المدن، توجد أصول ضخمة ممولة حكوميًا أو تجاريًا، لكنها تعمل بجزء محدود من طاقتها الزمنية. جامعات تمتلك ملاعب ومسارات ومرافق رياضية متطورة تُغلق بمجرد انتهاء اليوم الدراسي، مدارس تبقى ساحاتها فارغة طوال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الصيفية. أي أن مرافق عامة لا تتحوّل إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية إلا لساعات محدودة من اليوم، رغم أن تكلفتها الرأسمالية دُفعت بالكامل منذ سنوات. اقتصاديًا، هذه ليست مجرد مرافق مغلقة، وإنما «أصول خاملة» وهذا يعني رأسمال لا يحقّق عائدًا كافيًا على الاستثمار.

التحوّل الحقيقي لا يكمن في بناء المزيد، بل في إعادة تشغيل الموجود بطريقة أكثر كفاءة. ففي مدينة مثل كوبنهاجن، يكمن التحوّل الحقيقي في تصميم حضري جعل الحركة جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية بعيداً عن التوسع المستمر في الإنفاق الرأسمالي على مزيد من المشاريع. المشي وركوب الدراجة أصبحا جزءًا من التنقل والعمل والتسوق. النتيجة الحتمية لتلك الممارسات انخفاض في التكاليف الصحية ورفع إنتاجية المجتمع.

اليوم تبدو الفرصة أكبر بكثير لدينا مما نتصور. المناخ يفرض تحديات واضحة على النشاط الخارجي، خصوصًا خلال الصيف، لكن في المقابل تمتلك المدن السعودية بنية تحتية حديثة ومساحات داخلية واسعة ومكيّفة، إضافة إلى جامعات ومدارس ومرافق عامة موزعة داخل الأحياء، وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الحل موجود بالفعل، لكنه لم يدخل بعد ضمن التفكير الاقتصادي الحضري.

تخيّل لو أن الجامعات فتحت مرافقها الرياضية للعامة خلال عطلات نهاية الأسبوع والصيف. تخيّل لو أن المدارس تحوّلت بعد ساعات الدوام إلى مساحات نشاط مجتمعي للأحياء المحيطة. تخيّل لو أن المراكز التجارية أصبحت جزءًا من منظومة جودة الحياة، لا مجرد وجهات استهلاكية. نحن هنا نتحدث عن تعظيم العائد على الأصول، وخلق حركة اقتصادية جديدة من بنية تحتية قائمة في الأصل.