إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ

وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً

وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ

عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ

تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ

إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم

لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ

لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ

رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ

وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ

بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ

وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما

أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ

وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً

مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ

وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي

وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ

تُقاس الرحلات أحياناً بما تفتحه من أبواب في الذاكرة، لا بما تقطعه من مسافات.

رحلة عباس حلمي الثاني خديو مصر إلى الديار المقدسة عام 1909م كانت من تلك الرحلات التي تحوّلت إلى مشهد تاريخي تتداخل فيه السياسة بالروح، والسلطة بالمعنى الديني، وتتشكّل حوله طبقات من السرد الأدبي والتوثيق الدقيق.

في قلب هذا الموكب، برز حضور أحمد شوقي، شاعر البلاط وصوت الفخامة البلاغية في عصره. كان يُنتظر منه أن يكون رفيق الرحلة كما اعتاد أن يكون رفيق المجد، غير أن المشهد اتخذ منعطفاً غير متوقع. الصحراء بما تحمله من قسوة، وركوب الإبل بما يفرضه من مشقة، صنعا في داخله تردداً ثقيلاً، انتهى إلى قرار صامت بالانسحاب من القافلة في لحظة غفلة.

عاد إلى القاهرة، بينما مضى الركب إلى الحجاز، تاركاً خلفه فراغاً في الموكب وجرحاً في العلاقة مع الخديوي. غير أن الشعر، كما اعتاد أن يفعل، تولّى ترميم ما أفسدته الخطى. فكانت النتيجة قصيدة ستبقى واحدة من أشهر نصوص الحج في الأدب العربي (إلى عرفات الله) بلاغة الاعتذار في ثوب الشعر. لم تأتِ القصيدة مجرد تهنئة بسلامة العودة، بل جاءت نصاً مشبعاً بالاعتراف والاعتذار، ومحمولاً على لغة عالية تنحاز إلى الجلال الروحي بقدر ما تنحاز إلى المجاملة السياسية.

يقول شوقي:

(إلى عرفات الله يا ابن محمد

عليك سلام الله في عرفات)

ثم ينساب النص في بناء شعري يزاوج بين المقام الديني ومقام المخاطب:

(دعاني إليك الصالح ابن محمد

فكان جوابي صالح الدعوات

وخيّرني في سابح أو نجيبة

إليك فلم أختر سوى العبرات)

تتجلى هنا مفارقة دقيقة؛ شاعر يُفترض أن يكون صوت الحضور، يتحوّل إلى شاهد على عجزه، مكتفياً بالدموع بدل المسير، وبالاعتذار بدل المشاركة.

ويزداد المشهد كثافة في قوله:

(وقدّمت أعذاري وذلي وخشيتي

وجئت بضعفي شافعاً وشكاتي)

يتحوّل الضعف في هذا السياق من معنى سلبي إلى عنصر جمالي، يعيد تشكيل صورة الشاعر داخل النص، لا بوصفه فاراً، بل بوصفه إنساناً اصطدم بحدود طاقته.

بين قداسة المكان وملامح السلطة تتجاوز القصيدة بعدها الديني لتلامس علاقة الشاعر بممدوحه. فالخطاب الموجّه إلى الخديوي يكشف طبقة أخرى من المعنى، حيث تتجاور قداسة المكان مع رمزية السلطة، في نص واحد تتعدّد فيه الأصوات والدلالات.

ومع الزمن، أعيدت قراءة القصيدة في سياق مختلف تماماً. فقد أعادت أم كلثوم تقديمها بصياغة غنائية خففت من حضور المدح الشخصي، وصاغتها بروحيّة عامة، مستندة إلى لحن رياض السنباطي الذي منحها طابعاً إنشادياً خالداً.

تحوّل المطلع من خطاب خاص:

(إلى عرفات الله يا ابن محمد)

إلى نداء أوسع:

(إلى عرفات الله يا خير زائر)

فتحررت القصيدة من حدود الشخص إلى فضاء المعنى العام، حيث يخاطَب الحاج بوصفه رمزاً لا فرداً.

هروب صنع خلوداً، نعم قد يبدو المشهد في ظاهره انصرافاً عن واجب، غير أن ما تبعه من أثر جعل من ذلك القرار نقطة تحوّل أدبية. خسر الشاعر رحلة الجسد، لكنه ربح رحلة النص، تلك التي لم تتوقف عند زمنه، بل امتدت لتصبح جزءاً من الوجدان الجمعي في مواسم الحج حتى يومنا هذا..

هكذا يتبدى حضور أحمد شوقي بوصفه شاعراً استطاع أن يحوّل لحظة ضعف إنساني إلى نص متين البنية، متوهج الدلالة، يعبر الأزمنة دون أن يفقد نبرته الأولى.

قصيدة (إلى عرفات الله) لم تعد مجرد أبيات شعرية للاعتذار، بل صارت وثيقة شعرية تعيد تعريف العلاقة بين التجربة والقول، بين العجز والإبداع، وبين الفعل وما يوازيه من تخييل. وفي كل موسم حج، تعود الأبيات لتُستدعى من الذاكرة، كأنها كتبت لتُقرأ من جديد، لا لتُحفظ فقط.

تقبّل الله على صعيد عرفة كل من وقف ولبّى وذكر اسم ربه الأعلى، ووفق ولاة أمر الوطن لخدمة ضيوف الرحمن.