لا أظن أن رئيسًا مرّ على نادي الاتحاد تعرّض لإساءات شخصية مقرفة، وحرب منظمة، كما تعرّض لها الرئيس الحالي المهندس فهد سندي، وبالذات من إعلامي «عميل» لنادٍ من أندية الرياض، تربطه به علاقات مصالح، إلى جانب جمهور مضحوك عليه تأثر بخطابه العدواني الواضح وضوح الشمس في عزّ النهار. ذلك «العميل» لم يتوقف عن ترصده منذ لحظة انتخابه وحتى اليوم، تلميحًا وتصريحًا.
-ولعل السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه بحثًا عن إجابة مقنعة هو: لماذا قبل أبو فارس كل هذه التجاوزات طوال تلك المدة الطويلة، دون أن يحرّك ساكنًا تجاه هذا الانفلات اللفظي والسلوكي، سواء عبر منصة «إكس» أو بعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية؟
مع أن النظام يكفل له وسائل عديدة للرد القانوني، إلا أنه لم يفعل، ما يثير علامات استفهام وتعجب حول هذا الصمت، وحالة الصبر والحِلم التي يتمتع بها، لدرجة جعلتني أقول بيني وبين نفسي: «يا قوة قلبك يا أبو فارس».
-ويبدو لي أن ميزتي الصبر والحِلم تعودان إلى ثقة بالنفس لا حدود لها، مبنية على امتلاكه إثباتات وبراهين تجعله في موقف اللامبالاة تجاه كل ما يُقال ويُنشر، انطلاقًا من قناعة شخصية بأن الحقيقة ستظهر عاجلًا أم آجلًا، أو ربما لأنه يرى أن هذه النوعية من العقول، التي تعاني إفلاسًا فكريًا وأخلاقيًا، ولا تملك القدرة على النقاش الحضاري أو النقد البنّاء، من الأفضل التعامل معها بسياسة «الطناش»، وفق المثل القائل: «الخسران يقطع المصران»، خاصة أن هذه السياسة أثبتت نجاحها الباهر، فكل محاولات ذلك «العميل» وبقية «المفلسين» باءت بالفشل الذريع، بعدما عجزوا عن إسقاطه في الانتخابات، وفشلوا كذلك في أكثر من حملة مغرضة، إذ خسروا كل التحديات التي راهنوا عليها، ولم يحققوا أهدافهم، بينما بقي كالجبل لا يهتز، واقفًا شامخًا بأخلاقه وتربيته، ومناعة اكتسبها من تجارب الحياة، دون أن يرد عليهم أو يمنحهم أي اعتبار.
-وربما كان هذا السكون نابعًا من قناعة مسبقة بأن من يجلس على الكرسي الساخن في الاتحاد يجب أن يتحمل تبعاته، وأن يمتلك قلبًا كبيرًا بحجم هذا الكيان العريق ومكانته الكبيرة، بما يجعله يتقبل مساحة الإساءة التي قد تطاله، حتى وإن انعكس أثرها على أعصابه وامتدت إلى أسرته وعائلته، من باب التضحية وإنكار الذات.
فهو يدرك أن أي عمل لا يخلو من الأخطاء أو أوجه القصور، ومن الطبيعي أن تأتي ردود فعل غاضبة وساخطة تُوجَّه إليه شخصيًا، لذلك يرى أن الصمت أحيانًا يمثل«امتصاصًا» لغضب جماهير عاشقة، حتى وإن تسللت بينها بعض الأصوات النشاز، إضافة إلى أن هذا «التغافل» قد يكون نوعًا من الحماية للاعبين، والمدرب، والعناصر الإدارية والفنية، فيرضى أن يكون هو من يتصدى للهجوم، وأن يتحول إلى درع واقٍ لهم.
-أما الاحتمال الأخير، فهو أن فهد سندي يمارس سياسة النفس الطويل، واضعًا نفسه في موقع المنتصر الذي ينتظر التوقيت المناسب لينقض على كل من أخطأ في حقه وتجاوز بالإساءة، بعد أن تكون تلك التجاوزات قد رُصدت بواسطة محامٍ محترف، ليُجرّعهم حينها «السم القاتل»؛ ذلك السم الذي لن ينفع معه ندم، ولا حذف تغريدة، ولا حتى أي واسطة تمحو آثاره المؤلمة.
-كلها احتمالات واردة، ولا أستبعد أن سندي، رغم سوء التوفيق الذي لازمه هذا الموسم، يرفض رفع الراية البيضاء. فبعدما عرف مواقع الخلل، وحدد الأدوات التي يحتاجها الاتحاد في الموسم المقبل، لا أظن أن شخصية مثله تستسلم بسرعة، بل يبدو عاشقًا للتحدي، وأحسب أن لديه من العزيمة والإصرار ما يكفي لخوض معركة جديدة، وهو واثق من نجاحه فيها، من أجل إرضاء الجماهير الاتحادية وتعويضها بأفراح تُنسيها مرارة الموسم الحالي. وإن فعلها أبو فارس، فستكون تلك هزيمة ساحقة لكل من حاربوه، وفي مقدمتهم «العميل» وأعوانه، ليذيقهم «السم القاتل» ليس مرة واحدة، بل مرات ومرات، إذا استمر وحقق نجاحًا باهرًا في الموسم المقبل.