تُعدّ الذائقة الثقافية روح الوطن ومرآة مستقبله، فهي التي تتجلى في الكلمة، واللوحة، والفكرة، وفي كل تعبير إبداعي يعبّر عن هوية المجتمع وعمق حضارته. ومن خلال هذه الذائقة يمكن قراءة ملامح الشعوب وقياس مستوى وعيها الثقافي والفكري. لذلك، عندما تتبنى الحكومات مشاريع ثقافية، فإن المسؤولية تتجاوز مجرد الإنتاج إلى بناء معنى، وتشكيل وعي، وصياغة ذوق عام يرتقي بالإنسان. لا ينبغي أن تُدار هذه المشاريع بعقلية تجارية بحتة تُقاس بالأرقام والأرباح، بل وفق معايير عالية تضع الجودة والقيمة في مقدمة الأولويات.
لقد شهدنا نماذج عالمية تؤكد هذا التوجه، حيث تحرص بعض الدول على تقديم ثقافتها بوصفها قوة ناعمة تعكس تاريخها وإرثها الفكري. ففي التجربة الغربية مثلاً، يتم استحضار رموز أدبية وفكرية كبيرة، وتقديمها بأساليب حديثة تُبقيها حاضرة في الوعي الجمعي. هذه الجهود لا تهدف فقط إلى الترفيه، بل إلى ترسيخ القيم الثقافية وتعزيز الذائقة العامة.
وأتذكر خلال سنوات الدراسة كيف كانت المؤسسات الإعلامية والثقافية الكبرى تقدّم أعمالاً وثائقية وفنية على مستوى عالٍ من الإتقان، حيث يجتمع العمق المعرفي مع الجمال الفني في إنتاج يليق بتاريخ الأمة وثقافتها. لم يكن الهدف مجرد جذب المشاهد، بل تثقيفه ورفع مستوى وعيه، وهو ما يعكس الدور الحقيقي للمؤسسات الثقافية.
إن المؤسسات ليست حارسة للسوق، بل حارسة للذوق. وهذه مسؤولية كبيرة تتطلب وضوحاً في الرؤية والتزاماً في التنفيذ. فحين تنحرف هذه المؤسسات نحو المنافسة التجارية، فإنها تفقد دورها الأساسي وتدخل في مساحات ليست من اختصاصها. السوق لها أهلها من الشركات والقطاع الخاص، وهم أقدر على إدارة الربح والخسارة، ولهم الحرية في ذلك ضمن الأطر التنظيمية.
أما المؤسسات الحكومية، فيجب أن تبقى بعيدة عن هذا التنافس، وأن تركّز على دورها الأسمى في بناء الذائقة العامة، ودعم الإبداع الحقيقي، وتقديم نماذج راقية تسهم في رفع مستوى الثقافة في المجتمع. فالأمم لا تنهض فقط بالاقتصاد، بل ترتقي بذائقتها، لأن الذوق الرفيع هو أساس الحضارة، وهو ما يميّز المجتمعات الحية عن غيرها.
وفي النهاية، فإن الحفاظ على الذائقة مسؤولية مشتركة، لكن المؤسسات تبقى في مقدّمة هذا الدور، لأنها تملك الأدوات والقدرة على التأثير. وإذا أدركت هذه الحقيقة، فإنها ستسهم في صناعة مستقبل أكثر وعياً وجمالاً.