في خطوةٍ لافتة تعكس توجّهاً نحو التخطيط بعيد المدى، أعلنت وزارة التعليم العام الماضي التقويم الدراسي لخمس سنوات قادمة. هذه الخطوة، في جوهرها، تمثّل نقلة نوعية في إدارة الزمن التعليمي، وتُعدّ إشارة واضحة إلى رغبة في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتخفيف حالة الارتباك التي قد تصاحب التغيّرات المفاجئة.
غير أن هذا الإنجاز-على أهميته- يظل ناقص الأثر ما لم يُستكمل بمنظومة تنفيذية متكاملة تُترجم هذا الاستقرار الزمني إلى استقرارٍ تشغيلي داخل الميدان التعليمي.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تُستثمر هذه الرؤية بعيدة المدى في بناء عام دراسي مكتمل المعالم منذ يومه الأول؟
ولماذا لا تلتزم الوزارة -مع عودة الهيئتين التعليمية والإدارية قبل بدء الدراسة- بتسليم الميدان حزمة شاملة من التعاميم والإجراءات التي تغطي تفاصيل العام الدراسي كافة، من خطط الأنشطة، وجداول الاختبارات، وتوزيع المناهج، إلى البرامج النوعية والمبادرات المركزية، بحيث لا يُترك مجال للتغييرات اللاحقة أو التعاميم المفاجئة؟
إن استقرار القرار يعزز جودة التنفيذ، فالعمل التربوي بطبيعته عمل تراكمي يعتمد على التخطيط المسبق والتنفيذ المتدرج. وعندما تتغيّر التعليمات أثناء العام الدراسي، فإن ذلك لا يربك الجدولة فحسب، إنما يخلّ كذلك بتوازن البيئة التعليمية، ويؤثر على جودة المخرجات. فالمعلم الذي يُفاجأ بتعديل في خطة المنهج أو آلية التقويم، سيضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته، وقد يفقد جزءاً من تركيزه التربوي لصالح المعالجة الإجرائية. أما القائد المدرسي، فيجد نفسه منشغلاً بإعادة ضبط المسار بدلاً من تطوير الأداء.
كذلك هذا الأمر سبجعل تمكين المدرسة يبدأ بالوضوح، فحين تُسلَّم المدرسة خريطة العام كاملة منذ البداية، فإنها تتحوّل من كيانٍ منفذ إلى كيانٍ مخطط وشريك في النجاح.
وضوح الرؤية يمنح الإدارات المدرسية القدرة على توزيع الجهود، وتوظيف الموارد، وبناء مبادرات داخلية تتناغم مع التوجهات العامة دون تعارض أو ارتباك. كما يعزّز ذلك روح المسؤولية المهنية، حيث تصبح المدرسة محاسبة على تنفيذ أجندة معلومة، لا على التكيّف مع متغيّرات طارئة.
وإصدار مثل هذا التنظيم سيعمل على الحد من الهدر الإداري والزمني؛ لإن التعاميم المتأخرة أو المتغيّرة تستهلك قدراً كبيراً من الوقت والجهد في إعادة الترتيب والتنسيق، وهو وقتٌ كان من الممكن استثماره في تحسين العملية التعليمية نفسها.
كما أن التعديلات المفاجئة قد تؤدي إلى إلغاء برامج أو تغيير خطط تم الإعداد لها مسبقاً، مما يمثل نوعاً من الهدر الإداري الذي يتنافى مع مبادئ الكفاءة المؤسسية.
وأظن أن هذا القرار يساهم في بناء الثقة بين الميدان والجهة المشرفة، حيث إن الثقة في الأنظمة التعليمية لا تُبنى فقط على جودة القرارات، ولكن على استقرارها ووضوحها. وعندما يعتاد الميدان على صدور تعاميم مفاجئة أو تغييرات غير متوقعة، فإن ذلك يخلق حالة من التوجس والترقب، ويضعف من حماس المبادرة. في المقابل، فإن الالتزام بخطة معلنة وثابتة يعزز الثقة، ويمنح العاملين شعوراً بالطمأنينة المهنية. فما نطمح إليه ليس مجرد تقويم دراسي مُعلن، بل نموذج تشغيلي متكامل يبدأ مع عودة الكوادر التعليمية، حيث تُقدَّم لهم «حقيبة العام الدراسي» متضمّنة: خطة توزيع المنهج لكل مادة دراسية، وجداول الاختبارات بمختلف أنواعها، مع روزنامة الأنشطة والفعاليات ذات العلاقة، بالإضافة إلى البرامج والمبادرات المركزية، والأدلة التنظيمية والإجرائية.
على أن يُقابل ذلك التزامٌ مؤسسي بعدم إصدار أي تعاميم إضافية أو تعديلات جوهرية خلال العام، إلا في أضيق الحدود وضمن حالات استثنائية واضحة ومعلنة.
إن استقرار العام الدراسي ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تربوية تضمن جودة التعليم، وتحفظ جهد المعلم، وتمنح الطالب بيئة تعليمية متزنة. وإذا كانت الوزارة قد خطت خطوة مهمة بإعلان التقويم لخمس سنوات، فإن الخطوة التالية الأكثر تأثيراً هي تحويل هذا الاستقرار الزمني إلى استقرارٍ تشغيلي يُنهي عصر المفاجآت، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: عام دراسي يُدار بعلم، ويُنفذ بثقة، ويُقاس بأثره الحقيقي في الميدان.