هناك صروح وأشخاص يندر وجود أمثالها في بلادنا الغالية. نماذج للنجاح تبقى استثنائية وخالدة في ذاكرة الأوفياء. ومن أهم الصروح التعليمية المميّزة كانت مدارس الثغر النموذجية في مدينة جدة، التي أسّسها الملك فيصل -رحمه الله تعالى- وكانت تتبع في إدارتها الديوان الملكي مباشرة. واختير لإدارتها أفذاذ من رجال العلم والإدارة مثل محمد فدا وعبدالرحمن تونسي وفؤاد أبو الخير. وكانوا جميعاً رجالاً صدقوا وافوا بالعهد وتحمّلوا المسؤولية بحق وجدارة.
ومنذ أيام رحل عن دنيانا المعلم الفاضل والإداري الصارم والتربوي النبيل الأستاذ فؤاد أبو الخير بعد عمر طويل في خدمة العلم والتعليم، ساهم في تخريج الآلاف من أبناء الوطن الذين تألقوا في مجالات حياتهم التي سلكوا دروب الرزق فيها.
هو سليل أسرة مكيّة عريقة عُرف عنها العلم منذ عقود طويلة من الزمن. عُرف عن الراحل مزايا كثيرة جداً. كان شديد التواضع وكريم النفس وعفيف اللسان وطيب المعشر ووفياً في صداقاته ونبيلاً في معاملاته، لكنه كان حاداً وصارماً وجاداً في تطبيق النظام والعدل والمساواة فيه. كانت له الهيبة الواضحة والحضور المهيب، وكان يدير الأشخاص بنظرة عين ونبرة صوت، وكنت أنا شخصياً شاهداً على ذلك؛ لأنني كنت أحد الطلبة الذين شرفوا بكونهم تحت إدارته.
كان حريصاً ومواظباً على حضور مجالس العلم والتفقه في الدين والنهل من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. كان قارئاً نهماً غزير الاطلاع والمعرفة.
ولذلك لم يكن غريباً ولا مفاجئاً العدد الكبير للذين شاركوا في جنازته والصلاة عليه، وبعد ذلك الذين شاركوا في تقديم واجب العزاء، فكل ذلك كان شهادة رمزية، لكنها بالغة الدلالة على مكانة الرجل في نفوس محبيه.
عمل الراحل في محطات أخرى بعد محطة مدارس الثغر، إذ عمل في القطاع الخاص في شركة تهامة للدعاية والإعلان، وعاد للتعليم في مدارس دار الفكر. ولكن ما سيبقى في الذاكرة عن الراحل الكبير هو سيرته العطرة وأخلاقه الرفيعة وتعامله الراقي. رحم الله المربي الفاضل الأستاذ فؤاد أبو الخير رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، فهو نموذج فريد لرجل محترم رحل عنا.