في عالم الطبيعة، لا تكون أساليب البقاء دائماً كما نتوقع. فبينما تعتمد معظم الكائنات السامة على إنتاج سمومها الخاصة، يكشف أحد أنواع الثعابين عن إستراتيجية مختلفة تماماً، تقوم على «استعارة» السم من فرائسه وإعادة توظيفه للدفاع عن نفسه! هذه الآلية غير المألوفة تضع هذا الكائن في فئة فريدة من حيث تكيفه مع بيئته وقدرته على تحويل الغذاء إلى وسيلة حماية متقدمة.
وتكشف دراسات حديثة عن سلوك دفاعي غير مألوف لدى نوع من الثعابين يُعرف باسم الكيلباك ذي الرقبة الحمراء (Rhabdophis subminiatus)، إذ لا يقوم بإنتاج السم بنفسه، بل يعتمد على «إعادة تدوير» السموم التي يحصل عليها من فرائسه لاستخدامها في الحماية من المفترسات.
وبحسب ما نشرته مجلة ساينتفيك أمريكان، يتغذى هذا الثعبان على ضفادع سامة تحتوي على مركبات تُعرف باسم «البوفادينوليدات». وبعد تناولها، تُمتص هذه المركبات عبر الجهاز الهضمي، ثم تُنقل إلى غدد متخصصة في منطقة الرقبة تُعرف بالغدد القفوية، حيث يتم تخزينها لاستخدامها لاحقاً عند الحاجة.
وتمنح هذه الآلية الثعبان ميزة تطورية، إذ تمكّنه من الاستفادة من سموم فرائسه دون الحاجة إلى إنتاجها ذاتياً، ما يقلل من استهلاك الطاقة ويعزز قدرته على البقاء. وعند الشعور بالتهديد، يرفع الثعبان رقبته ويكشف المنطقة التي تحتوي على الغدد السامة، في سلوك يُفسَّر كإشارة تحذير للمفترسات مثل النمس.
وتُظهر الملاحظات الميدانية أن سلوك هذا الثعبان الدفاعي يتأثر بنظامه الغذائي الأخير؛ إذ يميل إلى سلوك أكثر جرأة وعدوانية بعد تناول فريسة سامة، بينما يصبح أكثر حذراً وميلاً للهروب في حال عدم توفر السموم في جسمه.
وفي دراسة قادها عالم البيئة السلوكية تومونوري كوداما من جامعة ناغويا، خضع هذا السلوك للاختبار عبر محاكاة هجمات مفترسة وإزالة السموم من بعض الغدد. وأظهرت النتائج أن استجابة الثعابين لم تتغير بشكل ملحوظ، ما يشير إلى أن سلوكها لا يعتمد على قياس مباشر لمستويات السم.
وتقترح الدراسة أن هذا النوع قد يعتمد على "ذاكرة غذائية" حديثة لتحديد مستوى استجابته الدفاعية، بدلاً من آلية حسّية دقيقة لقياس السم، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم إستراتيجيات البقاء لدى هذه الكائنات في الطبيعة.