المؤكد أن تداعيات الحرب الإيرانية – الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة والعالم هي أصعب وأخطر من الحرب القائمة حالياً؛ فالوصول إلى اتفاق ينهي الحرب بأي صيغة لا يعني أن مرحلة التعافي من آثارها ستكون محتملة على المدى القصير، وربما المتوسط، حيث ستدخل النوايا السياسية، والمصالح العميقة، وفقدان الثقة بين الأطراف المتنازعة والمتأثرة باعتداءات إيران؛ حيّز التنفيذ من المواجهة الصامتة مع النظام الإيراني خلال العقد المقبل، والأخطر حينما يتم إعادة تشكيل هذا النظام ليكون مصدر تهديد وإزعاج لجيرانه ومحيطه، وتحديداً حينما تكون المصالح الاقتصادية الأمريكية قد تحقّقت من هذه الحرب، والمصالح الإسرائيلية وصلت إلى قناعة بأن التهديد العسكري نحوها تراجع لسنوات طويلة.

سيناريوهات ما بعد الحرب ليست لإعادة ما كان عليه قبلها، ولكن لما يُفترض أن تكون عليه بعدها، وهو ما يتطلب موقفاً خليجياً وعربياً موحداً في التعاطي مع بقايا النظام الإيراني الحالي، وأسلوب التعايش معه بعيداً عن حالات تعامل منفردة من أي دولة؛ لأن وحدة الموقف مهمة، وهو ما أثبتته الحرب الحالية حينما كان الموقف واحداً في عدم الانجرار الخليجي والعربي لتوسيع نطاق الحرب، وكيف كان أثر هذا القرار حكيماً وعميقاً في وأد المخطط الإيراني، ومحاولة التكسّب من خلاله في إثارة الرأي العام وتأزيمه.

الاتفاقيات الثنائية بين الدول الخليجية والعربية والنظام الإيراني أثبتت عدم قدرتها على الصمود، وأصبح الجميع مصدراً للتهديد والاعتداء المباشر وغير المباشر خلال هذه الحرب، وبالتالي من المهم جداً أن يكون الاتفاق مع إيران في مرحلة لاحقة من نهاية هذه الحرب بإرادة جماعية، وضمانات دولية، ورقابة دائمة، ولا يمنع أن تكون هناك مصالح ثنائية، ولكن ليس على حساب الأمن الخليجي والعربي، أو محاولة البعض إنقاذ إيران من عزلتها الحالية.

بنود الاتفاق الأمريكي والإيراني قائمة على مصالح مشتركة بينهما، وإسرائيل المستفيد الأكبر منه بشكل أو بآخر -بعد تلاشي فكرة القضاء على النظام-، ولكن لا يعني وجود عبارات في هذا الاتفاق تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتسهيل الملاحة البحرية في مضيق هرمز أن الوضع مطمئن، أو غير قابل للابتزاز السياسي الرخيص من إيران مستقبلاً، وخصوصاً من وكلائها في المنطقة، وبالتالي معادلة الرؤية الخليجية والعربية تختلف من حيث التفاصيل عن الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لنهاية هذه الحرب، لا سيما على مستوى الجغرافيا.

المهمة ليست سهلة في رسم سيناريو العلاقة الخليجية والعربية مع إيران بعد نهاية هذه الحرب، ولكنها ضرورية بإرادة جماعية وليست منفردة، واستثمار المكاسب التي تحقّقت من رؤية العالم للمنطقة كمصدر مهم للطاقة، وتأثيرها على حياة شعوبهم واقتصاداتهم، وبالتالي هذا مؤشر يمكن العمل عليه في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة التي لم تعد تحتمل حروباً أخرى، أو حسابات لمصالح محدودة، أو مغامرات تحت ذريعة مبررات واهية وغير منطقية.