تبدأ الأزمات في الطيران حينما يبدأ النظام يفقد مرونته، فتصبح القرارات التشغيلية اليومية تحت ضغط قد يتطور ليغيّر عمل الصناعة بالكامل، وهذا ما يهدّد به وقود الطائرات حالياً.

في أوروبا أدى نقص الإمدادات إلى ارتباك منظومة الطيران، بعد القيود التي فُرضت في معظم المطارات الإيطالية مثل ميلانو ليناتي، وفينيسيا، ومطار بولونيا، ومطار تريفيزو، حيث كشف هذا الإجراء اضطراب سلاسل التوريد في إحدى أكثر الدول كثافة في الحركة الجوية، ما أدى إلى قرارات بتقييد الرحلات القصيرة، ومنح رحلات الإسعاف والرحلات الحكومية الأولوية على غيرها.

أيضاً أبدت شركات مثل «لوفتهانزا» و«رايان إير» قلقها من احتمالات الإلغاء وارتفاع أسعار التذاكر بما قد يتجاوز الضعف.

في آسيا أطلّت الأزمة بملامح مغايرة، حيث أصدرت باكستان إشعاراً للشركات بضرورة تحميل أكبر كمية ممكنة من الوقود؛ لأن التزوّد به داخل البلاد غير مضمون، وهذا يضيف ضغوطاً تشغيلية أخرى من ناحية عبء زيادة الوزن وتقليل عدد الركاب.

أيضاً، في أستراليا وأمريكا الجنوبية امتد التأثير على شكل مصاعب وتأخيرات، يخشى المراقبون أن تتصاعد بسرعة، وفي خلفية هذا المشهد يظل «مضيق هرمز» النقطة الأكثر حساسة التي انطلق منها كل هذا الارتباك العالمي.

الأرقام لا تتعلق بقطاع الطيران فقط، إنما تمتد إلى قطاعات أخرى، لعل أولها القطاع السياحي الذي خسر أرقاماً كبيرة جداً، وبالتالي تكبّد الاقتصاد العالمي خسائر مزعجة.

«أزمة وقود الطائرات» الحالية ليست الأولى، ففي سبعينيات القرن الماضي، ومع أزمة النفط عام 1973م، وجدت شركات الطيران نفسها أمام وضع صعب أعاد تشكيل الصناعة، ودفع نحو البحث عن كفاءة أعلى في التشغيل ومحركات أقل استهلاكاً، وكانت مقدمة لغياب الأحجام الكبيرة وتلاشي الطائرات رباعية المحركات.

عام 2008م، حينما قفزت أسعار النفط، وعام 2020م، مع جائحة كورونا، وغيرها من الأعوام الصعبة، منحت قطاع الطيران العالمي القدرة على تعزيز مرونته وقوته، كما كانت مفتاحاً لحلول جديدة تزيد الكفاءة وتقلّل الاعتماد على مصدر واحد؛ لذلك قد نشهد الاعوام المقبلة تسارعاً أكبر في الاستثمار بالوقود المستدام (SAF) sustainable aviation fuel أو إعادة النظر في نماذج التشغيل الحالية.

شركات الطيران مع الوضع الحالي وجدت نفسها أمام معادلات مقلقة، فالتقديرات تشير إلى إمكانية ارتفاع أسعار التذاكر بنحو 20% لمعادلة تكلفة الوقود فقط، فيما بدأت بعض الناقلات الجوية بفرض رسوم إضافية على الرحلات الطويلة.

في المقابل، بدأت الشركات الكبرى محاولة استثمار الأزمة لإعادة التموضع ورسم خريطة المنافسة من جديد، حيث تملك هذه الشركات القوية القدرة على امتصاص الصدمات لفترة أطول، بينما تجد الشركات الأضعف نفسها أمام ضغط أشد، والفجوة بين الطرفين مرشحة للاتساع، مما قد يفرض اندماجات أو خروج بعض اللاعبين من السباق.

التجارب في سوق الطيران أثبتت أنه لا يختنق فجأة، إنما يتباطأ أولاً، ثم يبدأ بالتراجع، لكن الوضع اليوم مصحوب بتعقيدات أكبر لأن صناعة الطيران لم تتعافَ بشكل كامل من تبعات جائحة كورونا ومتاعب بوينج وايرباص ونقص المحركات.

الطيران بُني على فكرة «الثقة».. الرحلة تنطلق في وقتها، الوقود متوفر دائماً، والخدمات مكفولة، وحين يتراجع هذا الافتراض يتغيّر سلوك السوق بالكامل.

مع ذلك، كل أزمة تحمل داخلها إعادة ضبط؛ لأن الطائرات لا بد أن تستمر في التحليق، والناس تريد الانطلاق حتى لو كان بكلفة أعلى وقيود أكثر.