تُعدّ الإكزيما من أكثر الأمراض الجلدية المزمنة انتشاراً، وهي حالة التهابية تصيب الجلد فتؤدي إلى ظهور بقع حمراء وجافة يرافقها شعور بالحكة قد يكون شديداً ومزعجاً. ورغم أنها ليست مرضاً معدياً، إلا أنها تؤثر بشكل واضح في جودة حياة المصاب؛ بسبب طبيعتها المتقلبة بين فترات التحسُّن والانتكاس. وتنشأ الإكزيما نتيجة تفاعل معقد بين عوامل وراثية وبيئية ومناعية، إذ يصبح الجلد أكثر حساسية وأقل قدرة على الاحتفاظ بالرطوبة، مما يجعله عرضة للتهيّج عند التعرض لمحفزات مثل الجفاف، المواد الكيميائية، التوتر النفسي، وبعض أنواع الأطعمة. وتختلف الإكزيما في أشكالها وحدّتها من شخص لآخر؛ فقد تظهر على شكل جفاف بسيط وتشقق، أو تتطور إلى التهابات شديدة تستدعي التدخل الطبي. وغالباً ما تبدأ في مرحلة الطفولة، لكنها قد تستمر أو تظهر لأول مرة في سن البلوغ. ورغم عدم توفر علاج نهائي لها حتى الآن، فإن فهم طبيعتها وتحديد مسبباتها يساعدان بشكل كبير في السيطرة عليها والحد من أعراضها، مما يمكّن المصاب من التعايش معها دون تأثير كبير على حياته اليومية.
وقد استطلعت «عكاظ» آراء عدد من المختصين في الأمراض الجلدية حول الإكزيما؛ أسبابها، أنواعها، وطرق التعامل معها، إضافةً إلى ما أوضحته وزارة الصحة بشأن هذا المرض الجلدي الشائع.
خلل في جهاز المناعة
أكد طبيب الجلدية الدكتور نايف الحربي أنَّ الإكزيما تُعد مرضاً جلدياً مناعياً مزمناً وشائعاً، لا ينتقل بالعدوى ولا يرتبط بأسباب غذائية، بل ينشأ نتيجة خلل في جهاز المناعة يؤدي إلى ضعف حاجز الجلد وفقدانه القدرة على الاحتفاظ بالرطوبة ومقاومة المهيجات. وهذا ما يجعل الجلد جافاً سريع الاحمرار، وتزداد الحكة ليلاً، مما يؤثر في النوم والمزاج وجودة الحياة. وأشار الحربي إلى أن المرض غالباً ما يرتبط بتاريخ عائلي من الربو أو حساسية الأنف، وأن بيئتنا تحتوي على عوامل كثيرة تُفاقم الإكزيما؛ مثل الطقس الجاف، التغيرات الحرارية، الهواء المكيّف، العرق، المنظفات القوية، العطور المركزة، والملابس الصناعية، إضافةً إلى التوتر النفسي الذي يُعد من أبرز المحفزات. كما نبّه إلى أن الخوف غير المبرر من بعض العلاجات قد يُطيل فترة المعاناة.
أما من ناحية العلاج، فأوضح الدكتور الحربي أن التعامل مع الإكزيما يعتمد على الترطيب المكثّف، وتجنّب المهيجات، واستخدام الأدوية الموضعية، مع توفر علاجات متقدمة تُحدَّد حسب شدة الحالة، مؤكداً ضرورة مراجعة الطبيب عند تكرار النوبات أو ظهور علامات عدوى.
طفح جلدي متنوّع
من جانبه، أوضح استشاري أمراض وجراحة الجلد والليزر والطب التجميلي الدكتور محمد الهداب أن الإكزيما ليست نوعاً واحداً، بل تشمل عدة أنواع؛ مثل: الإكزيما التأتبية، الدهنية، التحسسية، التهيجية، إكزيما الجفاف، والإكزيما العصبية، ولكل منها أسباب مختلفة. وبيّن أن الإكزيما التلامسية تنقسم إلى نوعين: التهيّجية التي تحدث بسبب الغسيل المتكرر أو استخدام المنظفات القوية، مما يؤدي إلى جفاف الجلد وظهور الإكزيما، والتحسسية التي تنشأ بسبب تحسس الجلد من مواد غذائية أو صوابين أو معقمات.
وأضاف الدكتور الهداب أن الإكزيما قد تظهر على شكل طفح جلدي متنوّع، وغالباً ما تصيب اليدين نتيجة الجفاف أو استخدام المعقمات والمنظفات، وهو ما ازداد خلال جائحة كورونا بسبب كثرة استخدام الكحول والغسيل المتكرر، مما يؤدي إلى فقدان الدهون الطبيعية للجلد وحدوث حكة شديدة وتهيج واضح.
جفاف شديد واحمرار وتقشّر
وفي السياق ذاته، يضيف أخصائي أول طب الأمراض الجلدية الدكتور عدنان البحبوح، أن الإكزيما مصطلح عام يُطلق على مجموعة من الحالات الجلدية التي تتسبب في التهاب الجلد وتهيّجه نتيجة عوامل وراثية أو مكتسبة. وتتميّز عادةً بجفاف شديد واحمرار وتقشّر، وقد تظهر معها فقاعات مائية صغيرة مصحوبة بحكة شديدة، مع التأكيد على أنها ليست مرضاً معدياً. ويعود انتشار الإكزيما إلى عدة عوامل؛ أبرزها العوامل الوراثية وازدياد الحساسية في المجتمعات الحديثة نتيجة تأثير البيئة المحيطة على الجلد. وتختلف الأعراض بين المرضى، إلا أن أكثرها شيوعاً: جفاف الجلد وتشققاته، الحكة، الطفح الجلدي، النتوءات الصغيرة، النزّ والتقشير، ظهور الفقاعات، إضافةً إلى النزيف والتقرّح الناتج عن الحكّ، وزيادة سماكة الجلد أو تغير لونه.
وتظهر الإكزيما في مختلف الأعمار، إلا أن الإكزيما التأتبية غالباً ما تبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة قبل سن الخامسة، وقد تستمر أو تتحسن مع التقدم في العمر. أما أسباب الإكزيما فغير معروفة بدقة، لكنها ترتبط باضطراب في الجهاز المناعي، إلى جانب خلل في الجين المسؤول عن تكوين بروتينات حاجز الجلد، مما يؤدي إلى فقدان الرطوبة ودخول المهيجات والجراثيم. كما تلعب العوامل البيئية دوراً مهماً؛ مثل تغيّر الطقس، التعرّق، الأقمشة الخشنة، جفاف الجلد، العدوى، التوتر، منتجات التنظيف، الغبار، وبر الحيوانات، العفن، حبوب اللقاح، دخان التبغ، والعطور. وقد تزيد بعض الأطعمة من شدة الأعراض لدى الأطفال رغم أنها لا تسبب الإكزيما مباشرة.
وتتمثل الوقاية في ترطيب البشرة عدة مرات يومياً بمرطبات خالية من العطور، الاستحمام اليومي بماء فاتر لمدة لا تتجاوز 10 دقائق، استخدام منظفات لطيفة غير صابونية، تجفيف الجلد بالتربيت ووضع المرطب مباشرة، ارتداء الملابس القطنية الناعمة، تجنُُّب المهيجات البيئية والغذائية، الالتزام بالعلاجات الموصوفة، والحد من الحكة لتجنب الخدش والالتهاب.
أما أبرز أنواع الإكزيما فهي: الإكزيما التأتبية، الإكزيما الدهنية، الإكزيما التلامسية، إكزيما خلل التعرق، الإكزيما القرصية، الإكزيما الركودية، والتهاب الجلد العصبي. وقد يصاب الشخص بأكثر من نوع في الوقت نفسه، وتُعد الإكزيما التأتبية الشديدة من أكثر الأنواع تأثيراً على جودة الحياة؛ بسبب الحكة المستمرة واضطرابات النوم وزيادة خطر العدوى.
وتشمل مضاعفات الإكزيما التأتبية: الربو وحمى القش، الحساسية الغذائية، الالتهاب الجلدي العصبي، فرط أو نقص التصبغ بعد الالتهاب، العدوى الجلدية البكتيرية أو الفيروسية، التهاب الجلد المهيّج في اليدين، التهاب الجلد التماسي، مشكلات النوم، والقلق والاكتئاب نتيجة الحكة المزمنة.
أما العلاج فأهم خطوة فيه هي تحديد نوع الإكزيما ومهيجاتها، مع الالتزام بالعناية اليومية والترطيب المستمر. وقد تتطلب السيطرة على المرض تجربة عدة خيارات علاجية، وتشمل: العلاجات الموضعية مثل كريمات ومراهم الكورتيكوستيرويد، مثبطات الكالسينيورين (تاكروليمس، بيميكروليمس)، كريسابورول، كريم روكسوليتينيب، وعلاج العدوى عند حدوثها، ومضادات الحكة مثل مضادات الهستامين.
فيما تشمل العلاجات الجهازية للحالات الشديدة مثل السيكلوسبورين، الميثوتريكسات، البريدنيزون، الميكوفينولات، الأزاثيوبرين.
أما العلاجات البيولوجية مثل دوبيلوماب، ترالوكينوماب، ليبريكيزوماب، ومن العلاجات التي تصرف مثبطات JAK مثل أوباداسيتينيب، أبروسيتينيب، باريسيتينيب، والضمادات المبللة، والعلاج الضوئي، والدعم النفسي وتقنيات إدارة التوتر.
تظهر غالباً لدى الأطفال
أوضحت وزارة الصحة أن الإكزيما حالة مزمنة من جفاف الجلد تسبب الحكة والاحمرار، ويمكن أن تصيب جميع الفئات العمرية، إلا أنها تظهر غالباً لدى الأطفال. كما أشارت إلى أن السبب الدقيق لحدوثها غير معروف، لكنه يُرجّح أن يكون نتيجة تفاعل بين عوامل وراثية وبيئية. وبيّنت الوزارة أن للإكزيما عدة أنواع، من أبرزها: الإكزيما الداخلية المنشأ (التأتبية – الالتهاب البنيوي) التي تظهر عادة في سن مبكرة، بدءاً من الأربعين يوماً الأولى من عمر الطفل، وتبدأ باحمرار في الخدين مع قشور وحويصلات مائية مصحوبة بحكة، وترتبط غالباً بتاريخ عائلي للحساسية مثل حساسية الصدر أو العين أو الأنف، وقد تشبه في بدايتها ما يُعرف بـ«الحليب الناشف» في مقدمة الرأس، وتتوسع مع تقدم العمر.
أما الإكزيما الدهنية (التهاب الجلد الدهني – الزهمية) فتصيب فروة الرأس غالباً، وقد تظهر في مناطق دهنية أخرى مثل الأنف، الأذن، الرموش، الحاجبين، والصدر. بينما تظهر إكزيما خلل التعرق عادة على اليدين والقدمين، وتتميز ببثور صغيرة وحكة شديدة. وتظهر الإكزيما القرصية على شكل بقع دائرية تشبه الأقراص، مصحوبة بجفاف وحكة.