يخبرنا التاريخ أن القوة الحقيقية للدول تكمن في تحقيقها الأمن وضمانها الاستقرار ومراكمتها التنمية وإدراكها الازدهار، كما تبدو سيادتها ويظهر سؤددها في مقدرتها على تسوية الخلافات ووأد النزاعات وتجنب وهدة الصراعات وتتجلى حنكتها السياسية وحكمتها الجيوسياسية في ترويض الجغرافيا الحتمية لصالح نهضة الإقليم ونماء المنطقة بدلاً من إذكاء التوتر وإضرام الحروب.
وقد أرست المملكة دعائم سياستها على ذلك فظلت على امتداد تاريخها وتنوع جغرافيتها تنشد النماء وتعمل من أجل الرخاء حتى حازتهما وبقيت تمسك بالسلام من أكثر أطرافه هشاشة ليستعيد متانته وتعيده مكانته، وما زالت جانحة للسلم في أحلك الظروف وأكثرها قتامةً ولم يُغرها ما تملكه من قوة عسكرية وقدرة اقتصادية وثقل سياسي لتخوض حرباً حيكت خيوطها في الظل أو تقع في فخ صراع يشعل المنطقة بل ظلت ثابتةً كجبل يعرف موضعه من الريح ويدرك أن العواصف عابرة وأن البقاء للأرض التي تحتفظ بتوازنها.
ثمة شواهد لا حصر لها سبقت ما نحن عليه اليوم تبرهن على ثبات السياسة السعودية وشجاعتها ونبلها أيضاً وتثبت عبر تاريخٍ طويل من التعاطي مع الأزمات بعينٍ ترى أبعد من اللحظة أن تريثها وأناتها وحكمتها قد أنقذت وعصمت وحمت المنطقة من فوضى إقليمية مرات عديدة وأعادتها إلى جادة الاستقرار وتدلل على أن التريث كان ضرباً من الشجاعة وأن الأناة كانت وجهاً آخر للحسم.
فما نشهده اليوم بدءاً من ضبط للنفس ومحاولات الاحتواء للنزق الإيراني مروراً بخلق شريان اقتصادي لشعوب الخليج وإمدادات النفط لدول العالم وليس انتهاءً بالجهود الدبلوماسية التي تبذلها من أجل إيقاف الحرب هو امتداد لسياسة السلام ودعم الاستقرار العالمي التي تسير جنباً إلى جنب مع مساندتها لقضايا الأمتين الإسلامية والعربية العادلة في فلسطين ولبنان وأفغانستان والصومال ومصر وباكستان والكويت والبحرين واليمن والعراق والسودان وسوريا، إذ ظلت تسند إلى كتفها الاقتصادات حين تتعثر، وتبادر إلى رأب الصدوع حين تتسع وتعمل على إخماد الفتن قبل أن تتحول إلى صراعاتٍ مفتوحة.
وقد شهدت المنطقة على مدى عقود دعم المملكة لحقوقها ومواقفها دعماً لا ينحصر في إطارٍ ولا يُستوفى في سردٍ دون أن يصحب ذلك خطاب دعائي أو شعارات نفعية بل سعي خالص لنماء الدول الشقيقة وطلب صادق لتحقيق تطلعات شعوبها.
وفيما تثير السياسة الرصينة والنبيلة للمملكة حفيظة الدول التي ترى في الفوضى مورداً وفي النزاعات سوقاً، وتخلق فرادة القرار السعودي في الآن ذاته انطباعاً يحول دون فهمهم لسمو أهدافه واستيعابهم لمآلاته تسير المملكة نحو أهدافها غير آبهة بما توهمه المُضلِلون وما ظنه المُضلَلون لتراكم إنجازاتها بهدوء وتبني حضورها بثقة، ما منحها موضعاً بين أكبر اقتصادات العالم وجعلها قوةً إقليمية مركزية ومكنها من تحقيق كثير مما تصبو إليه.
ومن هنا، تبدو السعودية وهي تتعامل مع التحديات الجسيمة التي لطالما ظلت محدقةً بالمنطقة قد اعتادت أن تسير على حافة دقيقة بين الحزم والحكمة، وأن توازن بين قدرها وقدرتها في صورة تختصر فلسفة الفكر السياسي الذي يُلم بالمآلات قبل أن يستجيب للحظة ويرى في الرد ضرورة حين تكتمل شروطه، قابضة على العصا من منتصفها دون أن تفقد قرارها بالضرب حين يصبح ذلك لزاماً، مقدمةً خيار الاحتواء كاستثمار للمستقبل حتى لا يعود مجدياً، لإدراكها العميق لطبيعة المنطقة وتعقيداتها وشبكة المصالح التي بُنيت فيها، ويقينها بأهمية أن يكون القرار السياسي فعلاً يُقاس إلى ما يتركه من أثرٍ طويل في استقرار الإقليم، وإيمانها أن أعظم الانتصارات هي تلك التي توقف الحرب وتخمد أتونها.
هذا الصبر الذي قد يُساء فهمه في لحظات التوتر يتكشّف عند تأمله عن دهاءٍ سياسي من الطراز الرفيع، إذ إن تحييد الضجيج وتقليص أثره وتفويت فرصة الحرب على من يسعى إليها هو انتصارٌ يجرد الخصم غايته، ويصون المقدرات والإنجازات ويحميها من أن تُهدر عبر معركةٍ تطول بلا طائل ولا نهاية واضحة.
وفي إزاء المسؤولية السياسية والاقتصادية والعسكرية تجاه الأمة والإقليم وعلى الضفة الأخرى من الخليج تقف إيران التي بدت في خطابها المتكرر كمن يلوّح بالحريق ويزعم حمل الماء بعقيدتها الثورية وبراغميتها الضيقة لتدعم الفوضى والمليشيات بدلاً من التنمية والاستقرار، وتبني الصولجان بدلاً من الإنسان وتصنع التوتر وتؤجج الصراعات وتخلق الحروب وتتحرك في منطقة تدرك تاريخها وكأنها صفحة فارغة يمكنها أن تدون بها ما تشاء وتتعاطى مع المجتمعات الخليجية كما لو كانت هياكل يسهل اختراقها ومع الدول كما لو كانت كيانات قابلة للاهتزاز فتغذي الانقسامات وتستثمر الهويات المتشظية وتدفع بالمنطقة إلى حافة اضطراب دائم يضمن لها حضورها ويمنحها ما تعتقده نفوذاً.
بيد أن التجربة الممتدة لعقود سلفت تكشف أن هذا النهج وإن توهمه البعض أنه آل عليها ببعض ما أرادت فإنه منذ لحظاته الأولى كان يحمل في داخله بذور تعثره وفشله، فالفوضى التي استُدعيت مراراً لتكون أداة نفوذ تحولت مع مرور الزمن إلى عبء يثقل سلمها الأهلي والمليشيات التي دعمت خارج أطر الدول لتصبح كيانات مؤازرة نُبذت من دولها وعزلت عن محيطها وتحول الاستثمار فيها إلى خسائر تبتلع الموارد وتستهلك الطاقة السياسية وتراكم عزلة إيران في محيط ينشد الاستقرار ولا يستمرئ طيش المغامرات.
ولعل ما شهدته المنطقة خلال العقدين المنصرمين يبرهن على كل ذلك، ففي العراق حيث هيمنت الفصائل الموالية لإيران على مفاصل الدولة واختطفت قرارها عم الضجيج وفتحت أبواب الفوضى على مصراعيها، وما زالت الحكومات المتعاقبة تبحث عن توازنها وسط قوى تتنازعها، وفي لبنان حيث تغول السلاح الخارج عن مؤسسات الدولة في قرارها وتغلغل في دوائرها تراجع الاقتصاد وتآكلت الثقة بالحكومات المتعاقبة هناك وتكاثرت الأزمات حتى غدا لبنان أسير معادلات معقدة تتجاوز قدرته على النهوض، وفي اليمن حيث دفعت إيران نحو انقلاب يعيد تشكيل السلطة امتد النزاع واستطال أمده وتداخلت أطرافه حتى تعقد المشهد وأثقل كاهل اليمنيين.
وبمقاربة ما سبق سيبدو جلياً أن منطق البناء وتعزيز الاستقرار أكثر قدرة على البقاء وقابلية للنماء، وما يؤول به من تقدم وازدهار هو القوة الحقيقية التي تقي عن منزلقات المواجهة، وأن الدول التي تحمي المستقبل هي الأكثر صبراً وجلداً، وأن النفوذ الحقيقي والمستمر هو الذي يجد له موضعاً في خارطة المصالح لا في أزماتهم.
ومن يتأمل التاريخ سيدرك أن الاستراتيجيات التي تقوم على التوازن وبناء المصالح تملك القدرة على تجاوز الزمن، وأن من يراهن على الفوضى يخسر أمام حقائق الاستقرار، وأن صخب الشعارات يتلاشى أمام صمت الإنجاز، وأن الحكمة التي تُحسن قراءة المستقبل تظل أبقى أثراً وأعمق حضوراً، وأن المنطقة مهما تعاقبت عليها الأزمات والأزمان تميل في نهاية المطاف إلى من يمنحها فرصةً للحياة لا من يدفع بها نحو حافة الاحتراق.