في السادس والعشرين من فبراير 1998، خصّص الكاتب الكبير «مشعل السديري» صدر الصفحة الأولى من «عكاظ» لمقال لم يكن عادياً في سياقه ولا في لغته. كتب يومها تحيةً خاصة إليّ في عنوان: «إلى علي مكي في يوم عُرسه»، لكنّه لم يكتب عن المناسبة بوصفها خبراً عابراً، بل بوصفها لحظة إنسانية كثيفة، تُختبر فيها فكرة الحب نفسها. كان النص أقرب إلى تأمل طويل في معنى الارتباط، في رهبة الاختيار، وفي ذلك القلق النبيل الذي يسبق أن يقول الإنسان «نعم» وهو يعرف أن الكلمة ليست خفيفة كما تبدو.
لم يكن يبارك بقدر ما كان يقرأ المشهد من زاوية أخرى، زاوية من يعرف أن الزواج ليس احتفالاً، بل هو عبور. وأن الحب، حين يكون صادقاً، لا يأتي في صورة يقين كامل، بل في صورة قرار يتقدّم على الشك، دون أن يلغي الشك. كان يرى ما وراء العرس، وما بعده، ويكتب عن تلك المسافة الدقيقة بين قلبين يحاولان أن يصنعا حياة، لا أن يستهلكا لحظة.
أذكر أنّ خاتمة المقال تحديداً كانت لافتة، كأنها تلخّص فلسفته كلها، حيث الحديث عن باب لا يُفتح إلا لمن يجرؤ، وعن خطوة لا يمكن التراجع عنها بعد اتخاذها، وعن صدى قد يعود أو لا يعود. لم يكن نص تهنئة، بل نص مساءلة رفيقة، يضع الحب أمام حقيقته، لا أمام صورته.
مرت ثمانية وعشرون عاماً، وبقي ذلك النص في مكانه، لا يتقدّم ولا يتراجع، كأنه ينتظر لحظة أخرى، أو صاحباً آخر، أو تتمّة لم تُكتب.
واليوم، حين أُعلن زواج الكاتب مشعل السديري من الكاتبة ريهام زامكة، بدا لي الأمر كما لو أن ذلك المقال القديم قد وجد أخيراً ما يكمله. لم يعد النص قائماً بذاته، بل صار جزءاً من سيرة. لم يعد تأملاً في تجربة الآخرين، بل صار مدخلاً لتجربة عاشها صاحبها. وهنا تتغير الزاوية بالكامل.
الذين يكتبون عن الحب كثيرون، لكن القليل منهم يغامر بأن يضع نفسه داخل ما يكتب. الكتابة عن الحب تمنح مسافة آمنة، تتيح لك أن تحلّل، أن تفسّر، أن تضع تعريفات دقيقة، دون أن تدفع الثمن كاملاً. أما أن تعيشه، بعد كل هذا التأمل، فذلك انتقال من المعرفة إلى الاختبار، من اللغة إلى الحياة.
(مشعل) لم يكن بعيداً عن هذه الفكرة. في نصه القديم، كان واضحاً أنه لا يتعامل مع الحب بوصفه حكاية سهلة، ولا يقدّمه كملاذ مريح، بل كخيار مكلّف. وربما لهذا تأخر. ليس تأخراً زمنياً بالمعنى المباشر، بل تأخر مقصود، يختبر فيه الفكرة حتى لا يخذلها حين يختارها. ولهذا أيضاً، يبدو زواجه اليوم مختلفاً. ليس لأنه جاء بعد سنوات طويلة، بل لأنه جاء بعد فهم طويل. لأن من يصل إلى الحب بعد هذا الطريق، لا يصل إليه خفيفاً، ولا يتعامل معه كعادة اجتماعية، بل كمعنى شخصي، تم بناؤه طبقة طبقة، حتى صار قابلاً لأن يُعاش، لا أن يُكتب فقط.
(ريهام)، في هذا السياق، ليست اسماً في إعلان زواج، بل نقطة التقاء. ليست بداية من فراغ، بل إجابة عن أسئلة ظلّت مفتوحة. العلاقة هنا لا تبدأ من انبهار أوّلي، بل من إدراك متبادل لما يعنيه أن تختار، وأن تُختار، بعد كل ما مرّ بك من تجارب، وما كوّنته من وعي.
وهذا ما يجعل المشهد مختلفاً في عمقه، لا في شكله.
حين أعود إلى ذلك المقال، أقرأه الآن بطريقة أخرى. لم يعد نصاً يخصّني، بل نص يخصّه هو أيضاً. كأنّ كل جملة فيه كانت تشير، بطريقة غير مباشرة، إلى ما سيأتي لاحقاً. كأنّ ما كتبه عن العبور، وعن الجرأة، وعن تلك اللحظة التي لا بد أن تُحسم، كان يخصّه بقدر ما يخصّ أيّ إنسان آخر. الفرق الوحيد أنه لم يكن مستعداً يومها لأن يكون داخل الجملة. واليوم، صار كذلك. لم يعد يقف خارج الفكرة، بل صار أحد أطرافها. لم يعد يراقبها، بل يعيشها. لم يعد يكتب عنها بضمير الغائب، بل بضمير الحضور الكامل. وهنا، تتبدل العلاقة بين الكاتب ونصه.
هناك لحظة نادرة يصل إليها بعض الكتّاب، يتوقف فيها النص عن أن يكون تمثيلاً للحياة، ويصبح امتداداً لها. لا يعود الكاتب بحاجة إلى أن يشرح ما يؤمن به، لأنه بدأ يعيشه. لا يعود محتاجاً إلى صياغات محكمة، لأن اختياره نفسه صار جملة واضحة.
مشعل، بهذا المعنى، لم يكتب نصاً جديداً، بل صحّح نصاً قديماً. لم يُلغ ما قاله، بل منحه بُعده الأخير. جعل من تأمله تجربة، ومن فكرته واقعاً. وهذا، في نظري، هو أجمل أشكال الوفاء للنصّ. أن تعود إليه بعد سنوات، لا لتكرّره، بل لتكمله. أن لا تكتفي بأن تكون كاتباً للفكرة، بل شريكاً فيها. أن لا تبقى في منطقة المراقبة، بل تنتقل إلى منطقة القرار. ولهذا، فإن الرد على مقاله القديم لا يمكن أن يكون بالمستوى نفسه من اللغة فقط، بل بالمستوى نفسه من الصدق.
لا أستطيع أن أقول له «مبروك» بالطريقة المعتادة، لأن ما حدث ليس مناسبة عابرة. ما حدث هو انتقال نوعيّ في علاقة إنسان بنفسه، وبفكرته عن الحياة، وبمعناه الخاص للحب.
أستطيع فقط أن أقول له إنّ ما كتبته قبل ثمانية وعشرين عاماً، لم يكن كاملاً.. وكان ذلك نقصاً جميلاً، لأنه ترك لك مساحة لتعود إليه، واليوم عدت. عدت لا لتصحّح فكرة، بل لتعيشها. لا لتثبت أن الحب ممكن، بل لتختبره بنفسك. لا لتصف الجرأة، بل لتفعلها. وهنا فقط، يصبح للزمن قيمة مختلفة. ليس بوصفه مروراً، بل نضجاً. ليس بوصفه انتظاراً، بل إعداداً. ليس بوصفه تأخراً، بل توقيتاً دقيقاً، لا يأتي إلا حين تكتمل شروطه.
في 1998، كنتَ تكتبُ عن لحظة تخصّني، وترى فيها ما قد لا أراه. وفي 2026، أصبحتَ أنت اللحظة، وأصبح نصّك القديم جزءاً من حكايتك. وهكذا تكتمل الدائرة، لا بطريقة مكررة، بل بطريقة أعمق.
نصٌ كُتب في الصفحة الأولى من صحيفة، ثم عاد بعد سنوات، ليُكتب في الصفحة الأولى من الحياة ككلّ.
وأعتقد أنّ هذا يكفي!.