في حادثة لا تزال عالقة في ذهني منذ قرابة اثني عشر عاماً، خلال دراستي لمرحلة الدكتوراه، كنا نتلقى محاضراتنا من مختصين مختلفين في كل محاضرة؛ وهو تنوع يضفي طابعاً جاذباً ومثرياً. وهنا وقفة تأمل عابرة تبرز إيجابيات هذا التنوع كبديل لنمط المحاضر الأوحد طوال الفصل الدراسي.


ذات يوم، كان المحاضر جراحاً مخضرماً مختصاً في جراحة الدماغ وعمليات الصرع. وبسبب ازدحام جدول عملياته، أُقيمت المحاضرة في السادسة والنصف صباحا!


وأثناء شرحه العميق عن تشخيص الصرع بالصور الطبية، تطرق عرضاً لـ«البحث العلمي» ومفهوم الجودة والأثر الحقيقي، طارحاً تساؤلاً جوهرياً عن سيل الأبحاث المنشورة التي أغلبها بلا أثر. وضرب مثالاً بمهندس الأشعة المقطعية «جودفري هاونسفيلد»، الذي لم ينشر سوى أوراق قليلة؛ إحداها تشرح فيزياء الجهاز المُبتكر، والأخرى تطبيقه السريري.


بعض المواقف والكلمات لا تُنسى، فلو سُئلت اليوم عن المحتوى الطبي لتلك المحاضرة قد لا تسعفني الذاكرة، لكن تلك اللفتة الصباحية العابرة العارضة لا تزال تقفز إلى مخيلتي وأنا أتأمل تساؤله مع واقعنا متسائلاً: في أي الفريقين نصطف؟ كثرة الأبحاث مع قلة جدواها الواقعي، أم قلتها مع عظيم أثرها؟


هنا تبرز مفارقة لافتة تعاني منها بعض بيئاتنا الأكاديمية والبحثية؛ وفرة هائلة في الإنتاج المنشور، يقابلها عجز مقلق في الأثر الملموس. الإشكال ليس في ندرة العقول المتميزة أو غياب التمويل، بل في الانحراف الصامت لبوصلة البحث؛ حيث تحولت «مؤشرات الأداء» من أداة لقياس جودة البحث إلى غاية بحد ذاتها. فكثير من المؤسسات التعليمية والراصدة للجودة تقيّم الأبحاث العلمية بمؤشرين: عدد المنشورات وعدد الاستشهادات، بينما يغيب الأهم: الأثر الفعلي لها. وفي أروقة هذه المنشآت، يتكرر مشهد مألوف: احتفال صاخب بنشر ورقة علمية، أو تفاخر بدخول تصنيف عالمي، أو تكديس ورقي لبراءات الاختراع.


ظاهرياً، نحن أمام حراك مبهر؛ لكن حين نبحث عن أثر هذه المخرجات في مصانعنا ومستشفياتنا واقتصادنا، نصطدم بفراغ يطرح سؤالاً يستحق المواجهة وقد نخشى إجابته: هل الكتابة لـ«نترقى» أم لـ«نرتقي»؟


ولعل جذر المشكلة يكمن في اللوائح المنظمة للبحث، ويمكن تلخيص أبرز الفجوات فيما يلي:


• ارتهان مقياس نجاح المشاريع البحثية بالنشر في مجلات مصنفة فقط، مع غياب شبه تام للدعم المبني على خروج هذه الأبحاث بـ«منتج» بأثر ملموس. ومثال ذلك الأهمية في الإنجاز تُعطى لمكان النشر أكثر من محتواه.


• سعي محموم لدفع تكاليف باهظة لتسجيل براءات اختراع لحصد نقاط التصنيفات العالمية، لتنتهي كشهادات معلقة على الجدران دون تحول إنتاجي أو تسويق تجاري. مع الإحاطة بأن تسجيل البراءة ورقياً قد يكون أسهل من نشر ورقة علمية محكمة - ويمكن الاستشهاد بذلك عبر الرجوع بالتاريخ قليلاً لنجد أن بعض الجامعات، ارتفعت بها نسب براءات الاختراع بشكل مفاجئ في إحدى السنوات، وانطفأت هذه الثورة لاحقاً، غالباً بسبب الشح المادي.


• ميل بعض الجهات الداعمة للبحث لرفض الأفكار الخارجة عن الإطار الاعتيادي التي تكسر القوالب، وتفضيل الأبحاث التراكمية «الآمنة» لضمان تدفق النشر بلا مجازفة.


• ارتباط المواد المنظمة للترقيات والتميز بالكم والتصنيف أكثر من الأثر. فمثلاً في نقاط الترقيات الأكاديمية، وهذه واقعة عشتها، النشر كباحث منفرد في مجلة ذات تصنيف متدنٍ جداً يقاس بعلو مقارنة ببحث مع مجموعة علماء مختصين متقدمين في التخصص ومن دول مختلفة وفي مجلة ذات تصنيف عالٍ جداً، وهنا علة أخرى عابرة فبذلك يتم الحث أيضاً على البعد عن العمل التعاوني المشترك!


• الاعتماد المبالغ فيه لدى البعض على مقاييس تعتمد معظم خوارزمياتها على حجم الاستشهادات، كقائمة ستانفورد لأفضل 2% من العلماء «قائمة لا علاقة لها بمسماها»، وغيرها من القوائم التي لا تعكس بالضرورة الأثر المجتمعي أو الابتكار الاقتصادي الفعلي للباحث.


• محدودية تنوع التخصصات في الهيئات واللجان المعنية بالتوجهات البحثية المدعومة، مما يجعل هذه التوجهات تدور في فلك اختصاصات مشرعيها.


نظرة تاريخية ووقفة على بعض الأحداث البحثية:


• ركز المخترع «هاونسفيلد» على بناء «المنتج – جهاز الأشعة المقطعية»، ولم ينشر ورقته التأسيسية إلا عام 1973 بعد إثبات نجاح جهازه سريرياً، لينال لاحقاً جائزة نوبل في الطب.


• رُفضت الورقة البحثية الأولى للعالم «بول لاوتربور» عن ابتكاره المتعلق بالتصوير بالرنين المغناطيسي عام 1973 من مجلة «نيتشر» بحجة ضعف جودة الصور، قبل أن تتراجع وتنشر الورقة التي غيّرت وجه الطب وجلبت له نوبل.


• رُفضت ورقة «بيتر هيغز» التي تنبأت ببوزون هيغز من مجلة رسائل في الفيزياء بحجة أنها «لا صلة واضحة لها بالفيزياء»، قبل أن تُثبت صحتها بعد 48 عاماً في مصادم سيرن، وينال عنها نوبل في الفيزياء عام 2013. والمفارقة أن هيغز نفسه صرّح عشية تسلمه الجائزة بأنه لن يحصل على وظيفة أكاديمية في النظام الحالي لأنه لن يُعتبر «منتجاً بما يكفي»، فقد نشر أقل من عشر أوراق بعد عمله الرائد.


• تشير بعض الدراسات إلى أن تكلفة تسجيل براءات الاختراع في عدد من الجامعات تفوق عوائدها المالية، إذ كشفت دراسة حديثة أن جامعة أمريكية واحدة خسرت أكثر من تسعة ملايين دولار سنوياً على الملكية الفكرية بعائد سلبي بلغ نحو -98% — براءات وُلدت للتصنيف لا للتصنيع.


• أثبتت بعض الدراسات الأكاديمية أن ضغط النشر المستمر له تكاليف حقيقية على الابتكار، وأوصت بعدم ربط الأمان الوظيفي بمقاييس الإنتاجية الكمية وحدها.


• تؤكد دراسة ببليومترية «علم قياس الإنتاج الفكري» أن أكثر من 80% من حائزي نوبل بين عامي 2010 و2019 لم يكونوا ضمن قوائم «الباحثين الأكثر استشهاداً»، مما يعني أن هذه المقاييس لا تكشف بالضرورة عن العقول الأكثر تأثيراً.


بكل تأكيد، هذا الطرح لا يقلل من أهمية «النشر النظري أو الروتيني المعتاد»، فهو مطلوب ومهم كقاعدة للمعرفة. غير أن الإشكالية تكمن في الخلل الاستراتيجي بالتركيز بين مسارين: الأول «مسار النشر الروتيني» الذي يستحوذ على الغالبية العظمى من اهتمام الباحثين والمنشآت وتكون معدلاته مرتفعة، والثاني «مسار النشر التطبيقي» ذو الأثر الملموس الذي لا يزال يشهد شحاً واضحاً. وهنا لا نلغي أهمية الأول، ولا نوقع اللائمة على الباحث، فهو لكي يتقدم يجب أن يلتزم ويجاري الأنظمة القائمة، وطالما تتاح للبعض طرق مختلفة للوصول، البعض منها قصير وسريع بغض النظر عن تأثيره، سيتم اتخاذه. والنشر بحد ذاته ليس المعضلة، وتنوعه مطلب، لكن هي نسبة وتناسب، كم من تلك الأبحاث وقع لها أثر ملموس وهل يتوافق ذلك مع التسهيلات الداعمة لها؟ وأين الفجوة؟


جُلّ هذه الفجوات تقع على عاتق المؤسسات والبيئة المرسومة بها عبر حوكمة لوائح وتوجهات بحثية مقننة صقلت ثقافة بحثية محدودة. المؤسسة الحية هي التي تتحول من «مصنع للورق» إلى «منصة لحل المشكلات». وتجاوز هذا الهدر يتطلب تحولات واضحة في فكر المؤسسات الناظمة والهيئات ذات العلاقة واللوائح المتعلقة بها حتى تؤثر إيجاباً في الفكر البحثي وإنتاجيته وثقافته، ومن أبرزها:


• ربط التمويل البحثي بالاحتياج التنموي ذي الأثر الملموس، بحيث يكون الاستثمار موجهاً لـ«الجدارات التطبيقية» وليس لمجرد الوصف النظري.


• تطوير معايير اللوائح والأنظمة لتمنح وزناً إضافياً جوهرياً للابتكار التقني ذي الأثر الاقتصادي، بدلاً من الارتهان الحصري لأرقام النشر، والانتقال تدريجياً نحو تقييم يعتمد على «دراسات حالة الأثر للأبحاث».


• تفعيل الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص لضمان تحول براءات الاختراع إلى قيمة مضافة، مع اشتراط خطة تسويق تجارية لها.


• تفعيل منصة وطنية لجميع المنشآت التعليمية العليا والبحثية تهدف إلى قياس مؤشرات الاستثمار المعرفي من الأبحاث وتسليط الضوء على مبادرات بها مؤشرات أداء تسهّل المتابعة وتعزز التميز وتناقش المقصّر.


• لفتة مجلس الشورى الاستثنائية والشفافة مؤخراً تجاه بعض الجامعات والبحث العلمي تسجل بتميز، ونحن بحاجة لهذه المتابعة بشكل مستمر من الجهات العليا ذات العلاقة، إذ تؤكد مخرجاتها وجود فجوة صريحة بحاجة إلى حوكمة إطارية رقابية وإشرافية على الجامعات ومخرجاتها.


• تمكين الباحثين من سهولة الوصول إلى المقومات اللازمة لتفعيل الأبحاث التطبيقية ذات القيم الملموسة وتمكين مشاركة المعامل البحثية مركزياً ما بين القطاعات المختلفة.


• تسليط الضوء على الأبحاث الطبية السريرية، وهذه بحد ذاتها بحاجة إلى دعم فعال وتفعيل بشكل مكثف وأكبر.


في المؤسسات الناضجة، لا يتم السؤال عن عدد الأوراق المنشورة، بل عن المشكلات التي تم حلها والأثر الذي تركته. تحرير بعض العقول الأكاديمية من هوس التصنيف الشكلي هو الخطوة الأولى لبناء استثمار معرفي حقيقي وملموس، حتى لا تصبح ابتكاراتنا/أبحاثنا مجرد ورق... وتلك هي جناية أبحاث الرفوف.