تمر دول مجلس التعاون الخليجي الآن بأقسى التجارب وأصعب الاختبارات في تأريخها منذ تأسيس المجلس قبل 45 عاماً. شهدت هذه الدول بعض الأزمات السابقة نتيجة حروب وتقلبات سياسية في محيطها تسبّبت في تهديدات أمنية لها لكنها ليست بمستوى الخطر الكبير الذي يعمّها الآن جميعاً في وقت واحد، الذي تمثله الهجمات العدوانية الإيرانية الكثيفة منذ بدء المواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي أكدت الحقد الدفين تجاه هذه الدول، والشر المضمر الذي يفوق ما قد ظهر، الذي تبيّته إيران لها.

والخطر لا يتمثل في الجانب الإيراني فحسب وإنما أيضاً، وبخطورة أكبر، أن ما يحدث هو أحد تمظهرات صراع أكبر شرس لإعادة تشكيل جيوسياسي في أكثر من منطقة على خارطة العالم، تمثل منطقة الخليج أهمها نتيجة موقعها الجغرافي الحساس، ومخزونها الضخم من حقول النفط والغاز التي تمثل حصة كبيرة من الاحتياج العالمي، وبالتالي فإن الحرب التي تدور الآن، ويتطاير أكثر شررها على دول الخليج، ربما تكون مجرد بداية لمخطط إستراتيجي طويل المدى وأكثر خطورة، يحتاج إلى الانتباه الشديد والاستعداد التام الذي يتطلب بالضرورة موقفاً خليجياً موحداً، واتفاقاً على المصلحة العليا لجميع دوله، وتنحية كل القضايا والملفات الجانبية التي تتخللها خلافات في وجهات النظر، والتركيز على المصير المشترك وما يواجهه من خطر وجودي غير مسبوق.

ومن الأخبار المبشّرة في هذه الظروف الحرجة ما نشرته وسائل الإعلام في اليومين الماضيين عن اتصالات كثيفة أجرتها الرياض مع عواصم خليجية وعربية لتكثيف التشاور والتنسيق حيال «الاعتداءات الإيرانية الجبانة» التي طالت البلدان الست، والتي أكدت من خلالها أن أمن الخليج كل لا يتجزأ، كما تؤكد في الوقت ذاته حرص الرياض على ترسيخ موقف خليجي موحد قادر على حماية أمن المنطقة واستقرارها في ظل المتغيّرات الراهنة. وقد تمّت هذه الاتصالات على مستوى القيادات السياسية والأمنية والعسكرية، وهي مستمرة لتحقيق أهدافها وغاياتها المنشودة.

لقد أثبتت هذه الأزمة بالذات أن دول الخليج كتلة عضوية واحدة، فقد امتدت الجسور سريعاً بينها، براً وبحراً وجواً، في شكل فريد من أشكال التكامل، واستطاعت أن تكون نموذجاً مبهراً في دعم بعضها البعض. ولذلك فإننا نتطلع أن تكون هذه المرحلة المفصلية بداية جديدة تمثل الاستعداد الجمعي لمواجهة أخطار الحاضر ومفاجآت المستقبل.