تقوم العلاقات التعاقدية في الأصل على مبدأ راسخ مفاده أن العقد شريعة المتعاقدين، وأن الالتزامات التي تنشأ عنه يجب تنفيذها وفق ما اتفق عليه الأطراف، لأن استقرار المعاملات الاقتصادية والتجارية يقوم على الثقة في وجوب الوفاء بالعقود. غير أن هذا المبدأ، على أهميته، ليس مطلقاً على نحو يستعصي على الاستثناء، إذ قد تعترض تنفيذ الالتزام حوادث استثنائية لا يد للمدين فيها، تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة حقيقية، وهنا يتدخل القانون ليقرر أثراً مختلفاً يراعي العدالة ويرفع الحرج عن المدين، وهو ما يعرف في الفقه القانوني بمفهوم القوة القاهرة.
وقد عالج نظام المعاملات المدنية السعودي هذه المسألة ضمن النظرية العامة للالتزام، مقرّراً قاعدة مفادها أن الالتزام ينقضي إذا أثبت المدين أن تنفيذ التزامه أصبح مستحيلاً بسبب لا يد له فيه. فالمشرّع هنا لا يعفي المدين من المسؤولية لمجرد الصعوبة أو الخسارة أو تغير الظروف الاقتصادية، وإنما يشترط أن يبلغ الأمر حد الاستحالة الفعلية للتنفيذ، وأن يكون سببها حادثاً خارجاً عن إرادة المدين ولا يمكن توقعه أو دفعه.
والقوة القاهرة في هذا السياق تمثل أحد أبرز صور السبب الأجنبي الذي يؤدي إلى استحالة التنفيذ. وهي في مفهومها القانوني حادث خارجي لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه، ويترتب عليه أن يصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن على الإطلاق. ومن الأمثلة التي درج الفقه والقضاء على اعتبارها من قبيل القوة القاهرة الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل، والحروب والاضطرابات العامة، والقرارات الحكومية التي تمنع تنفيذ النشاط محل الالتزام، إذا بلغت من الجسامة ما يجعل التنفيذ مستحيلاً وليس مجرد مرهق.
وإذا تحققت هذه الاستحالة على النحو الذي يقره النظام، فإن الأثر القانوني المترتب عليها لا يقف عند حدود إعفاء المدين من التعويض، بل يتجاوز ذلك إلى انقضاء الالتزام ذاته. فالالتزام الذي يستحيل تنفيذه لا يبقى قائماً في ذمة المدين، لأن بقاءه رغم استحالة الوفاء به يتعارض مع أبسط قواعد العدالة والمنطق القانوني. ولذلك قرر النظام أن الالتزام ينقضي في هذه الحالة، وينقضي معه كذلك الالتزام المقابل في العقود الملزمة للجانبين، باعتبار أن التوازن العقدي يقتضي سقوط الالتزامات المتقابلة إذا أصبح تنفيذ أحدها مستحيلاً.
غير أن التطبيق العملي يكشف أن مفهوم القوة القاهرة كثيراً ما يُساء استخدامه، حيث قد يلجأ بعض المتعاقدين إلى التذرع به لمجرد تعرضهم لصعوبات مالية أو خسائر تجارية أو تقلبات في السوق، وهي أمور لا تعد في الأصل قوة قاهرة لأنها تدخل ضمن المخاطر الطبيعية للنشاط الاقتصادي. ولهذا فإن القضاء يتعامل مع هذا الدفع بحذر، ويخضعه لرقابة دقيقة للتأكد من توافر شروطه الموضوعية، لأن مجرد الصعوبة أو ارتفاع التكاليف لا يكفي لإثبات الاستحالة.
كما ينبغي التمييز بين استحالة التنفيذ الناشئة عن القوة القاهرة وبين الظروف الطارئة. ففي الحالة الأولى يصبح التنفيذ غير ممكن أصلاً، فينقضي الالتزام، أما في الحالة الثانية فإن التنفيذ يظل ممكناً لكنه يصبح مرهقاً على نحو غير معتاد، وهنا يملك القاضي سلطة تعديل الالتزام بما يعيد التوازن العقدي دون أن يؤدي ذلك إلى انقضائه.
إن تنظيم القوة القاهرة في نظام المعاملات المدنية يعكس توجهاً تشريعياً متوازناً يجمع بين حماية استقرار العقود من جهة، ومراعاة العدالة في مواجهة الحوادث الاستثنائية من جهة أخرى. فالقانون لا يسمح بالتحلل من الالتزامات لمجرد المشقة، لكنه في الوقت ذاته لا يفرض على المدين تنفيذ ما أصبح مستحيلاً بحكم ظروف خارجة عن إرادته.
وفي ظل تعقّد المعاملات الاقتصادية واتساع نطاق العقود التجارية، تبرز أهمية الصياغة العقدية الدقيقة التي تنظم حالات القوة القاهرة وآلية إعلانها وآثارها، لأن وضوح هذه الأحكام يجنّب الأطراف كثيراً من النزاعات، ويحقق التوازن الذي يسعى إليه القانون بين استقرار التعاملات وحماية المتعاقدين من الحوادث التي تعجز إرادتهم عن دفعها.
@Ali_bin_Tuzan
مستشار قانوني