في هذه الأيام كثر ذكر معركة (هرمجدون)، كإشارة إلى أنها علامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة.

ويطيب لي أحياناً استرجاع أو استعادة طرق أفكار أو أحداث عبرتنا، لأن أثرها ما زال باقياً، ولم تتم زحزحة تلك الأفكار البالية، فهل نحن نجتر معارفنا التي أبطلها العلم، لكونها كائنات ماضوية، أو لكوننا لم نتطور على مستوى المعرفة، فظلت مداركنا تحوم في دائرة عاش بها الأجداد وبقيت أفكارهم حية في زمنية حياة نحن نعيش بها.. الإدراك يعني إدراك ما نعيش به وفيه، وأذكر أني تعبت وأنا أكتب عن أولئك الذين ينتظرون قيام القيامة، والتنبؤ بحلولها مع أي تنبؤ ماضوي، وفي هذا السياق كتبت مقالاً بعنوان (غداً تقوم الساعة) حين كان الترويج على أن عام 1434 للهجرة هو موعد يوم القيامة لكسوف شمسي سوف يحدث، وقد غادرتنا سنة 1434 بكسوف شمسي لم يأفل بل انغمس في لُجّة الليل قبل أن تفصح الشمس عن وجودها، وهو الكسوف الذي لن يرى أحد منا شبيهاً له طوال عمره كونه كسوفاً لن يتكرر إلا بعد أكثر من خمسمائة سنة قادمة، أي أن العام الموعود بقيام الساعة ودعنا وداعاً استثنائياً..

وكم هي الأحداث الطبيعية الاستثنائية التي عبرتنا من غير التنبه لها أو إعطائها الاهتمام اللائق بها من متابعة وتحليل، ومعرفة مسبباتها، وكيفية حدوثها، وما هو التفسير العلمي لحدوثها، وما هي النتائج العلمية لوقوعها على حياتنا، كمسببات علمية مرتبطة بالتدبر، والإبحار في أسرار الكون من غير انتظار إشارات لقيام القيامة، فالله منحنا عقولاً باحثة، وليست عقولاً منتظرة فناء العالم.

وفي جهة أخرى، هناك (بلادة) مشبعة بالغفلة، وقد مرت بنا أحداث نادرة الوقوع عبرتنا ونحن منهمكون في (صكة بلوت)، أو نتسكع في الأسواق أو (نطقطق) على جوالاتنا، أو نبتكر النكت على هذا أو ذاك، أو نتواعد للوصول إلى مطعم مندي، أو مظبي، أو نتجمع للتنديد بأي فعل أحدثه الشباب، أو ظهر في مواقع التواصل، من العجب العجاب أن البعض ما زال يندد بعمل المرأة، أو قيادتها السيارة، والمطالبة بعودتها سريعاً للبيت، وما زال أيضاً من يبحث عن راقٍ ليخرج سحراً محشوراً في جناح بعوضة، أو التنادي بإخراج جني تلبّس فلاناً بعينه دون خلق الله.. وهذا طبيعي الحدوث حين يكون الفرد أو الجماعة في الحدود الدنيا من المعرفة، وطبيعي الادعاء بأن اهتماماتنا استثنائية كوننا نرى أنفسنا استثنائيين عن بقية العالم ولم نتنبه بعد بأننا غارقون في نقطة ماء ما زلنا (نفرفر) داخلها من غير أن نستطيع الخروج ولو للحظة كي نريح أعضاءنا المتعبة من كثر (الفرفرة).

لم يحدث أن تنبهنا للأحداث الكونية لسبب علمي وجيه، فالمجتمعات ذات العمق المعرفي هي دائماً المتنبه لومضات وشفرات الكون لكي تفهم، وتقيس وتحلل من أجل أن تصل إلى الأسرار الكونية المخبأة وعدم الاكتراث أو التنبه هو طبيعة المجتمعات غير العلمية أو المجتمعات البدائية التي لا يعنيها من الحياة سوى اللحظة الراهنة والتطلع للقادم من خلال التنجيم أو انتظار قيام الساعة في إشارة إلى عدم الاهتمام بعمارة الأرض، ويمثل هذه العقلية (العقلية الحاملة لذاكرة الفناء) من لا يعلم ومن ليست له بصيرة حتى وإن ادعى علماً فجوهر معرفة الله التعرف على بدائع خلقه وصنعه، أي وجوب التفكر في إشارات الكون، ومع أن الإسلام حض على عمارة الأرض، وقبلها حض على معرفة أسرار الكون والتفكر في خلقه سبحانه وتعالى، إلا أن غلبة فكرة الفناء سبقت فكرة عمارة الأرض.

وحين تصبح المجتمعات معلّقة بالتنجيم أو الإكثار من ذكر الفناء لا يعود لها وجود أممي حقيقي كونها تنتحر واقعياً ومعرفياً.

وأعتقد أن أمتنا تلقت النصائح تلو النصائح للاهتمام والتنبه منذ زمن بعيد ومنذ أن تناقلت ألسنتهم نصيحة أبو الطيب المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم

والواقع يثبت أن بنا صمماً وعمىً..

وأعتقد أن ذلك العمي والصمم سوف يصبحان عاهتين مزمنتين كون الزمن انتقل بمعارفه إلى الأمام، ونحن ما زلنا في مرابض الأجداد وانتظار الفناء من غير حركة للأمام لاكتشاف ما الذي قدمه لنا القرآن من أسرار كونية تنير العقل المغلق.

ربما أكتب لأهل جيلي الذين لا يزالون يمسكون برخويات الأفكار المنتهية علمياً، وكنت أظن أن هذه الأفكار الرخوية مقتصرة على أمة واحدة، إلا أن الحال الراهن يؤكد أنها أفكار معشعشة في أذهان المنتمين للديانات السماوية، ولم يستطع العلم اجتثاث ذلك الموروث الأممي، وظلت معركة هرمجدون هي الحقيقة في يقين تلك الأمم ومن أجلها تقوم كل الحروب تمهيداً للخروج المخلص.. وإن لم تنعتق العقول من تلك كل (الخزعبلات) فلن يستقر حال الأمم أبد الدهر.