الأخبار الكاذبة والشائعات المُغرضة سبب في نشوء الفتن ودمار الأوطان ونشر الخوف، وتعدُّ من أخطر السلوكيات التي تهدِّد السِّلم المجتمعي، ينتج عنها زعزعة الأمن والاستقرار؛ ما يؤدي إلى الخوف والقلق الممنهج وهو ما يعرف بـ(الإرجاف)، وهو الذي تسعى خلفه قوى الظلام والتدمير للمجتمعات.

وقال أهل اللغة: «والمرجفون في المدينة هم الذين يُولّدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب الناس بقصد إحداث البلبلة وخلخلة الأمن ونشر أخبار السوء». وقالوا أيضاً: «الأراجيف ملاقيح الفتن».

ومن صور الإرجاف وأشكاله الأخبار الكاذبة التي يفتريها أعداء الإسلام ومروِّجو الشائعات والأكاذيب، والأخبار المشكِّكة، وهي التي عناوينها صحيحة، ومضامينها كاذبة، والأخبار السيئة التي يجب أن تستر، فيفشيها ويضخّمها أعداء الدين ومشعلو نار الفتنة، ومنها أخبار الفتن والشر.

وتصدّت الأنظمة في المملكة العربية السعودية لكل ما يغذّي الإرجاف، ويدعو إليه، إذ تجرِّم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة التي تمس النظام العام أو الأمن العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة، فالأمن والأمان لا حياد عنه ولا تراخٍ حوله.

استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية

ولا شك أن الإرجاف هو (نشر الشائعات والأخبار الكاذبة المسببة للفتنة والاضطراب)، وقد شدد المشرّع على تغليظ عقوبة المرجفين التي تعتبر، حسب الأنظمة، إحدى الجرائم الكبرى الموجبة للتوقيف.

ونبهت وزارة الداخلية إلى عدم تداول الشائعات أو المقاطع المجهولة، وأن يكون استقاء المعلومات من خلال مصادرها الرسمية، وذلك على ضوء ما تشهده المنطقة من أحداث وتطورات إقليمية.

وشددت (الداخلية) على أن الأوضاع الأمنية في المملكة مطمئنة، والحياة اليومية تسير بصورة طبيعية في كل المناطق، والقطاعات الأمنية تعمل على مدار الساعة ضمن منظومة أمنية وخدمية متكاملة، بما يعزِّز أمن الوطن وسلامة كل من يعيش على أرضه.

وأكدت وزارة الداخلية أن أمن المملكة وزوارها والمقيمين على أراضيها على رأس أولوياتها.

إظهار الضعف وتوهين القوى

ومن أسباب الإرجاف: إظهار ضعف المجتمع، وتوهين القوى، في المقابل تعزيز العدو وتمكينه، وهو ما يسمى: بـ«الإرهاب الفكري»، أو «الحرب النفسية»، ومن أسبابه حبّ نقل الأخبار دون أن يكون هناك قصدٌ سيئ، ودون علم بنتيجة ما يقال أو ينقل.

ولا شك أنه في مثل هذه الظروف التي يشهدها العالم، تبقى وحدة الصف والتكاتف المجتمعي مصدر قوة المملكة الحقيقي، والمواطن والمقيم شريكان في الحفاظ على الاستقرار، مع ضرورة استقاء المعلومات من المصادر الرسمية فقط، وعدم تداول الشائعات أو المقاطع المجهولة التي تهدف لإثارة القلق أو البلبلة.

وهنا لا بد من الإشارة لجانبين مهمين، يجب الانتباه لهما؛ وهما عقوبتا نشر الشائعات، والإرجاف.

«النيابة»: جريمة موجبة للتوقيف

أكد مصدر مسؤول في النيابة العامة، أن نشر الشائعات والأكاذيب حول أي أمر من الأمور المتعلقة بالنظام العام، أو الترويج لها، أو المشاركة فيها بأي طريقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً تلك التي يكون منشأها جهات معادية تُدار من الخارج، يعد من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف، وفقاً لنظام مكافحة جرائم المعلوماتية ونظام الإجراءات الجزائية.

وأوضح المصدر أنه تم في هذا الشأن رصد حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بإنتاج وترويج شائعات لا أساس لها من الصحة تتعلق بإحدى الفعاليات أخيراً، بتنسيق ودعم من جهات مُعادية خارجية كانت مسؤولة عن غالبية المشاركات المرصودة، وانساق وراءها أشخاص شاركوا في الترويج لها من داخل المملكة، وتم استدعاؤهم من النيابة العامة، ويجري العمل على استكمال الإجراءات الجزائية بحقهم.

تجلب الدمار للشعوب

أكد الخبير الأمني اللواء متقاعد مسعود العدواني، أن الإرجاف شرٌّ يجلب الدمار للشعوب؛ لذا يجب التحذير من الساعين لتحقيق ذلك، والتحقق من الأخبار قبل تصديقها أو نشرها وعدم الانجرار وراء العواطف والمبالغات، مع ضرورة نشر الوعي حول خطورة الشائعات واللجوء إلى المصادر الموثوقة.

وأوضح العدواني أن الإرجاف سلاح خطير يستخدمه المغرضون لهدم المجتمعات وتفتيت وحدتها، ولا تقل خطورته عن الحروب التقليدية والإرهاب، فكلاهما يسعى إلى تقويض أمن المجتمع مادياً ومعنوياً، لذا يجب التصدي له بالحكمة والوعي ولا شيء غير ذلك.

وأشار إلى أن الشائعات تستهدف الكيانات السياسية بالمقام الأول، وذلك لبث الفرقة لتعمَّ الفوضى وإثارة البلبلة، وهدف المرجفون منها النخر في لُحمة الأمة، والتأثير على وحدة المجتمع وتلاحمه.

العقوبة السجن و3 ملايين غرامة

شددت المستشارة القانونية المحامية ندى العتيبي، أن الأنظمة في المملكة العربية السعودية تصدت لكل ما يغذي الإرجاف ويدعو إليه، فقد جرّمت نشر الشائعات والأخبار الكاذبة التي تمس النظام العام، وتشويه سمعة المملكة والقيم الدينية والآداب العامة.

وبينت عقوبة المرجفين التي تعتبر حسب الأنظمة إحدى الجرائم الكبرى الموجبة للتوقيف، فالمادة السادسة من نظام الجرائم المعلوماتية في المملكة العربية السعودية تنص على أنه يُعاقب بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات، إضافة إلى غرامة مالية لا تتجاوز ثلاثة ملايين ريال، أو بكلتا العقوبتين، كل من يرتكب جريمة إنتاج أو تبادل محتوى يؤثر على النظام العام، أو القيم الدينية، أو الأخلاق العامة، أو خصوصية الحياة، أو تحضيره، أو إرساله، أو تخزينه عبر الشبكة الإلكترونية أو أي جهاز حاسوب.

وأفادت أن المادة (9) من النظام قد نصت على أنه يعاقب كل من حرّض أو ساعد أو اتفق على ارتكاب أيٍّ من الأفعال الجرمية آنفة الذكر بالعقوبة المقررة على الفاعل الأصلي، كما تنص المادة (13) من «قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية» على مصادرة الأجهزة المستخدمة في الجريمة، وإغلاق الموقع الإلكتروني أو الحساب المستخدم أو مكان تقديم الخدمة متى كانت الجريمة قد ارتكبت بعلم المالك.

ونبهت العتيبي من الانسياق خلف الحملات المُمنهجة والمغرضة والمعلومات المفبركة، مشددة أن كل من يسهم في تغذية تلك الحملات فحسن النية يعفي من المسؤولية، إذ إن كثيراً ممن يتسابقون على نشر الأخبار دون تثبت أو تأكد من مصداقيتها، لمجرد تحقيق أكبر قدر من المشاهدة، ويغفل هؤلاء خطورة أفعالهم التي تزرع الخوف.

سلاح مدمِّر يمزق الأوطان

أكد اللواء متقاعد حسين الحارثي، أن الإرجاف سلاح فتّاك مدمر للأمن، يهدف لنشر الشائعات وتمزيق الأوطان، وبثّ الذعر والخوف في المجتمعات لتمهد الطريق لصناع الدمار لكي يحققوا أهدافهم ومكاسبهم.

وقال: «يجب أن نعلم أن السعودية، كقوة إقليمية ودولة ذات تأثير عالمي، تواجه حملات إعلامية وسياسية، تهدف إلى تشويه صورتها وزعزعة استقرارها وتقويض إنجازاتها الطموحة، وهو ما يدعو إلى ضرورة أن يتشكل لدينا وعي جماعي، وتدقيق للمعلومات، وتعزيز الوحدة الوطنية لإفشال محاولات التضليل والإرجاف».

وأضاف: «المرجفون لا يستهدفون الأفراد كما هو الحال لدى مروجي الشائعات، بل يركّزون على ضرب النسيج الاجتماعي للدول باستهداف الجوانب النفسية والعاطفية، وهنا يستمد الإرجاف خطورته، حيث يستهدف قدرة الناس على التمييز بين الحق والباطل ويدفعهم نحو الحيرة والتشويش».

أمن الدولة: سلوك يضرُّ بمصالح الوطن

كشف المتحدث الرسمي لرئاسة أمن الدولة العقيد تركي الحربي، أن الإرجاف سلوك يستهدف خلق مشاريع فكرية تهدف للإضرار بمصالح الوطن عبر أساليب الخديعة والمكر.

وأشار إلى أن المرجفين يحاولون التقليل من قيمة ما نملك لتعزيز التنازل عنه بسهولة، داعياً الشباب إلى الحذر مما يسمعونه أو يقرأونه.

وقال: «أرض السعودية وأهلها لم تكن يوماً أداة لخدمة الأهداف الخارجية، وتوجد سردية موجهة ضد المملكة تسعى لإبعاد الأفراد عن هويتهم وقيمهم وثقافتهم». وشدد على ضرورة الحذر من الآراء والمواقف الموجهة بوصلتها من خارج الوطن.

وبيّن أن الإرجاف يعد سلوكاً يستهدف خلق مشاريع فكرية تضر بمصالح الوطن عبر أساليب الخديعة والمكر، موضحاً أن المرجفين يحاولون التقليل من قيمة ما نملك لتعزيز التنازل عنه بسهولة، داعياً الشباب إلى الحذر مما يسمعونه أو يقرأونه.

ولفت إلى أهمية دور النخبة الثقافية والشباب في التصدي للإرجاف، وأكد أن السعودية كانت ولا تزال تواجه مشاريع فكرية تسعى للإضرار بأمن المملكة ومصالحها، عبر أساليب ماكرة ومخادعة، عبر الترويج بأن هذا النموذج هو الأفضل، سواء كانت نماذج سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، و«التحقير» من مقدرات الوطن، محذراً الشباب بقوله «إن قللنا واحتقرنا ما نملك تنازلنا عنه بكل سهولة».

حسابات سوداء تُضلّل المجتمع

وصف الباحث الأمني الخبير في الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية محمد السريعي، الإرجاف بالحسابات السوداء، التي هدفها الهجوم الممنهج على الوطن، والسعي إلى تضليل وعي المجتمع مستخدمة تغريدات تحريضية هدامة.

وأضاف: «الحسابات السوداء تحمل أيديولوجيا للتفرقة والتعصب وبث الكراهية، مستخدمة طرقاً عديدة مختلفة ما بين اختلاق المزاعم وقلب الحقائق لتحقيق مرادها، وتحويل كل منجز ليصبح سهماً موجهاً نحو خاصرة الوطن».

وبيّن ضرورة تعزيز ثقافة المصدر، والتأكيد على أن أي خبر لا يوجد له مصدر موثوق هو خبر مكذوب لا ينبغي التعامل معه أو تداوله؛ لأن ذلك خطأ يضع مرتكبه تحت طائلة القانون.

وأفاد أنه لا يكفي حُسن النية للتبرير، فكم من الأخطاء الفادحة ترتكب بسبب البساطة في التعامل، فالإنسان مسؤول عن تصرفاته ويتحمل مسؤوليتها.