الإيماءات هي حركات جسدية غير لفظية تستخدم في التواصل البشري.

في طفولتي كنت أشاهد بدهشة كبيرة إشارات متواطأ عليها بين كبيرات السن، قلة قليلة منها تسلل للنساء الشابات والأطفال، فيما يخص الأطفال فلا أتذكر أن أحدنا كان يأخذ قسم وحلف طفل آخر على محمل الجد إن لم يرافق القسم بالله رسم علامة على العنق تشبه مرور سكين وهمية، أما حركات النساء فكثيرة لا أحصي أغلبها ولا أفهم دلالة بعضها.

أتذكّر إحداهن حين تنتهي من نميمتها وقبيل نهوضها من مجلسها تبلّل سبابتها وإبهامها بريقها ثم تنفضهما وكأنها تلفظ الكلمة الأخيرة المحرّمة، هي بذلك تبرئ ذمتها من حديثها فلم تعد مسؤولة عما قالت.

أما إن أرادت أن تستقبح فعلاً أو كلمة سواء بسبب الحرام الديني أو العيب الاجتماعي فهي ستتبع شهقتها برسم خط طولي وهمي بسبابتها، بدءاً من جفن عينها الأسفل بطول الخد. وهذه الحركة نفسها تعبّر عن استحسانها لشخص أو شيء جميل.

وتضع المرأة سبابتها معقوفة حول أرنبة أنفها على سبيل التأمل أو الاستغراب، ويرافق هذه الحركة جملة لطيفة هي: يا فكرتي!

أما إن وقعت مصيبة أو قيل كلام خطير فالأمر يستأهل استخدام كلتا اليدين لتطويق الرأس وربما الضرب عليه مراراً.

أما تقبيل الصغار فيشغل أكثر من إيماءة، أحدها مثلاً: قرص الطفل قرصة خفيفة وتقبيل الأصابع في موضع القرصة.

هذه الإشارات الظريفة تضفي نوعاً من الجاذبية للمتحدثة، وتضفي عليها جمالاً، خاصة لو صبغتها بأداء يخصها ويعبّر عن ذاتيتها. وغالباً في عالم الرجال إيماءات لم أتبيّن أغلبها.

جميع ما سبق وصفه ينتمي لنساء من كبيرات السن في قبيلة عتيبة، وأظن أنها تشمل طيفاً واسعاً من قبائل المملكة، وإن وجدت فروق طفيفة.

هذه الإيماءات وغيرها الكثير يذكرني بحقيقة أن اللغة البدائية للبشر كانت أغلبها إشارات وإيماءات إن لم يكن جميعها.

صحيح أني لم أعد أرى إحداهن تستعمل هذه الإيماءات اللطيفة، ربما لأن الناس لم يصبحوا يتحدثون مع بعضهم بحضور جسدي كامل في زمن التواصل التكنولوجي والانشغال بالجوال. لم تعد هناك أحاديث عميقة وطويلة ولا مستمعون غير نافذي الصبر من المعتادين على الفديوهات القصيرة والملخصات.

هذا النوع من التواصل انقرض تقريباً.

لكني ألاحظ نشوء لغة إيماءات عالمية يتفق فيها الرجال والنساء مثل رسم القلب بالسبابة والإبهام، تساعد تطبيقات التواصل الاجتماعية والإيموجي في نشوئها وسرعة انتشارها، بالنسبة لدخول الرجال عالم الإيماءات فأنا لا أستغربه؛ لأنه مع التقدّم البشري يبدو وكأن الحضارة تتأنث، الرجال دخلوا عالم الأناقة والأثاث والطبخ وأصبحوا ينافسون المرأة في مجالات كانت حصراً للنساء، لكن الآن قد يتفوقون فيها بسهولة، وأنا لا أقول ذلك على سبيل الانتقاد بل أصف ما يحدث على نحو دقيق.

لكني لا أفهم حاجة الإنسان المعاصر سواء الرجال أو النساء في ظل غنى قواميس المشاعر العالمية وتعدّد مستوياتها وأطيافها، غنى غير مسبوق تاريخياً. لكن مع ذلك لا يزال الإنسان يحتاج للتعبير الإيمائي عبر الجسد.

ربما لأن الجسد أقدم من اللغة وأصدق منها.