رأس مالنا الحقيقي ليس النفط ولا المباني، ولا الأساطيل الممتدة على مدارج المطارات.. إنه الانسان.

إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة في القطاعات كافة هو أساس الأمان للمستقبل؛ لأن الأوطان لا تنهض إلا بسواعد أبنائها، ولا تتقدّم إلا حين يتحوّل الطموح الفردي إلى مشروع جماعي، وحين يصبح التمكين سياسة لا شعاراً.

قطاع الطيران واحد من أهم محركات النمو عبر التاريخ الحديث، لم يكن وسيلة نقل، كان أداة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية للدول، فهو يختصر المسافات ويختصر الزمن التنموي كذلك، ومن يتتبع تاريخ الطيران السعودي يدرك أن «الخطوط السعودية» أدّت دوراً تأسيسياً للمساهمة في بناء مفهوم الدولة الحديثة المترابطة.

إدارة وتشغيل شبكة نقل داخلي واسعة في بلد مترامي الأطراف كانت فعلاً تنموياً بامتياز، وتوطين الوظائف في قطاع صناعي تقني شكّل خطوة مبكرة في زمن لم يكن الحديث فيه عن «المحتوى المحلي» موجوداً كما هو اليوم.

اللافت في هذه المسيرة هو البدايات المبكرة لفكرة الاستثمار في الإنسان، حيث ابتُعثت أول دفعة لدراسة صيانة الهياكل والمحركات لمدة 15 شهراً في ولاية كاليفورنيا عام 1384هـ، أي قبل أكثر من ستة عقود، كانت قراءة واعية لمستقبل الصناعة، وكان واضحاً أن مفهوم الطيران لدى «السعودية» هو المعرفة بالتفاصيل التي تحيط بالصناعة ككل، وتحقّق السلامة والاستدامة.

قبل ذلك بسنوات، في عام 1378هـ، كان هناك توجّه للتدريب المتخصص في مجال الطيران، في وقتٍ كانت فيه المنطقة بأكملها لا تزال ناشئة، وسبقه أول برنامج تدريب في مجال التسويق والمبيعات عام 1964م، والتحق به أكثر من أربعين طالباً، في إشارة مبكرة إلى أن الطيران قيادة وعمليات وصيانة وإدارة علاقات وسوق وصورة ذهنية في آنٍ واحد.

يروي الأستاذ حمزة الدباغ، رحمه الله، في كتابه المميّز «من الجمل إلى الطائرة» أنه عندما عُهد إليه إنشاء إدارة عامة للتدريب في أوائل الستينيات الميلادية، قام بجولة على مؤسسات النقل الجوي في أوروبا وأمريكا، في بحث جاد عن أفضل الممارسات لتنمية القوى العاملة، اطلع والوفد الذي رافقه على أرقى مراكز التدريب، وتعرّفوا على نظريات وأساليب، ثم بُني على ذلك برنامج ابتعاث للطيارين والفنيين وموظفي المبيعات والتسويق، وغيرهم من التخصصات المرتبطة بقطاع الطيران، هذه الخطوة تكشف وعياً مبكراً بأن بناء المؤسسة يبدأ من بناء العقل الذي يديرها، وأن الاستقلال الحقيقي في أي صناعة يمر عبر المعرفة قبل المنشآت.

مطلع هذا الأسبوع، سعدتُ بحضور حفل تخرّج أكبر دفعة متدربين في تاريخ الخطوط الجوية العربية السعودية، التي تجاوز عددها 1,000 خريج وخريجة من بنات وشباب الوطن في تخصصات متعددة؛ من مساعدي طيارين ومضيفين وفنيي صيانة وطهاة جويين وغيرهم. بدا المشهد امتداداً طبيعياً لتلك البذور الأولى.

لم تكن مناسبة احتفالية بقدر ما كانت لحظة إنسانية مكثّفة، عائلات ترى أبناءها وبناتها يخرجون إلى درجات المسؤولية، وقطاع يشهد دخول دماء جديدة تحمل طموح جيل مختلف.

حضور وزير النقل وعدد كبير من منسوبي القطاع أضفى على المناسبة بعداً وطنياً، غير أن القيمة الأعمق تجلّت في تلك اللحظات بين الآباء والأمهات وأبنائهم، حيث اختلطت الدموع بالفخر.

الحديث عن هذه المسيرة ليس خطاب تمجيد، فأي مؤسسة وطنية مهما كان تاريخها، تبقى في حاجة إلى النقد والتطوير، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الاستثمار المبكر في التدريب والابتعاث وبناء إدارات متخصصة كان ركيزة أساسية في تشكيل قطاع طيران وطني قادر على التكيّف مع التغيّرات الكبرى، والتحدّي اليوم يتمثّل في تحديث البرامج باستمرار، وربطها بالتقنيات الجديدة ومتطلبات الاستدامة، وفهم التحولات في أنماط السفر والاقتصاد العالمي، حتى تظل الكفاءة الوطنية قادرة على المنافسة في بيئة تتغير بوتيرة غير مسبوقة.

في النهاية، القصة ليست قصة شركة، إنما قصة فكرة أن رأس المال الحقيقي هو الإنسان؛ لذلك حين نقرأ تاريخ أي قطاع وطني، نبحث عن اللحظات التي اختار فيها أن يستثمر في العقول قبل الآلات، تلك اللحظات هي التي تصنع الفارق على المدى الطويل.

الطائرات يمكن أن تُشترى، والمباني يمكن أن تُشيّد، لكن الكفاءة تحتاج وقتاً وصبراً، وإيماناً عميقاً بأن المستقبل يُبنى في قاعات التدريب كما يُبنى في ساحات العمل.