على الرغم من أن الحروب ظاهرة مقترنة بالوجود البشري، إلا أنها تعبّر في حقيقتها عن عجز في التوافق بين الأطراف المنخرطة في الحرب عن التوصل لحل وسط أو طريقة في التعامل مع الأمر محل الخلاف ترضي جميع الأطراف، فالحروب غالباً ما تندلع عندما تفشل جميع الأطراف في التوصل لحل وسط عقلاني عادل ومنصف يقي الشعوب ويلاتها ودمارها، فالحروب في جوهرها ليست أكثر من هدر للموارد ورجوع بالتنمية لخطوات عديدة للوراء، وهي فشل سياسي بامتياز وانتصار مؤسف للفوضى والدمار، وعندما تنسد كافة قنوات الحوار ينفتح الباب على مصراعيه أمام قوى الشر لتعيث الفساد.

ولو نظرنا لواقعنا اليوم فسنجد العديد من الأمثلة التي تبرهن على هذا الأمر بجلاء، فالعديد من الحروب المندلعة هنا وهناك تؤكد على أن أطرافها لا يستمعون لصوت العقل بل لا يلقون له بالاً من الأساس، أما من يدفع ثمن تلك الحماقات فهي الشعوب المغلوبة على أمرها، والأجيال اللاحقة لها ممن عانى آباؤهم من ويلات ومآسي تلك الحروب، ممن نشأوا مغتربين خارج أوطانهم، أو نازحين من مكان لمكان داخل وطن مهدّم بلا بنية أساسية أو مرافق أو مؤسسات، ويعيشون داخل دولة بلا صحة أو تعليم أو حتى مستقبل.

وفي ظل تلك الأوضاع يأتي الاتفاق الأخير الذي تم عقده بين الحكومة السورية وبين قوات سوريا الديمقراطية المعروفة باسم قسد كضوء يظهر في نهاية النفق المظلم، فهذا الاتفاق أطفأ بالفعل فتيل حرب لو اندلعت في سوريا فلن تبقي لا على الأخضر ولا على اليابس فيها، بل كانت ستمهّد لبداية فصل جديد ومأساوي من حرب أهلية جديدة في سوريا، وقد أثبت هذا الاتفاق أن الاحتكام لطاولة المفاوضات يظل هو الخيار الأفضل والأقل تكلفة بالمقارنة بين الانزلاق في أتون حرب أهلية جديدة، مهما بدت الخلافات معقدة أو غير قابلة للحل، فالاتفاق السلمي هو الحل الوحيد والأسلم لتجنيب سوريا حرب جديدة مشتعلة قد تسمح مستقبلاً بدخول أطراف عديدة تزيد من اشتعال الأوضاع.

أما الصراع وتبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران فسيظل شوكة في خاصرة المنطقة ما لم يتم التوصل لحل دائم ومستدام بين الطرفين، فالتوتر الذي يخيّم على المنطقة بسبب التبادل المستمر للاتهامات بينهما يلقي بظلاله على المنطقة وعلى مستقبلها على الكثير من الأصعدة، فالخطاب الذي يزداد حدة وهجوماً كل يوم لن يفيد أي طرف بأي طريقة، ولا يوجد حل لهذا الصراع سوى الاحتكام لمائدة المفاوضات وتجنّب حرب ستؤدي إلى عواقب وخيمة على دول المنطقة وليست على الشعب الإيراني وحده، وبنظرة سريعة على التاريخ يتضح لنا بجلاء أن الحروب التي تندلع بين الكثير من الدول لا تنتهي بانتصارات حاسمة من طرف على طرف آخر، بل تنتهي عبر المفاوضات التي كان من الممكن الاحتكام لها دون خوض كل تلك الصراعات المريرة وهدر كل هذه الموارد.

وأخيراً لا بد وأن نعرّج على الصراع في السودان والذي اندلع بسبب تمرد قوات الدعم السريع على السلطة الشرعية، والوصول لحل في السودان يتطلب وقفة دولية حاسمة لردع قوات الدعم السريع والأطراف التي تقوم بدعمها، لوقف المجازر التي ترتكب ضد المدنيين العزّل، فقوات الدعم السريع التي تقاتل بضراوة لسنين مضت يجب التصدي لها بحسم وصرامة، فعدوانها لا يزهق الأرواح البشرية ويهدر الموارد الثرية فحسب، بل يزيد من عنفوان الدوامة التي أودت بحاضر ومستقبل السودان، فهو يهدّد وحدة الدولة واستقلالها، وعدم الاحتكام للعقل والجلوس على مائدة المفاوضات لا يعني سوى إطالة أمد الأزمة.

من المؤكد أن القراءة المطولة المتأنية للواقع الحالي وللتاريخ سواء القديم أو الحديث تؤكد لنا أن الخيار السلمي والاحتكام لمائدة المفاوضات هو الحل الوحيد الذي من شأنه أن يقي الدول من مخاطر الانزلاق للحروب وتجنيب الشعوب تذوق ويلات الحروب بمآسيها التي يصعب حتى حصرها في بضعة أسطر، فالحروب ما هي إلا بوابة جحيمية تبتلع الموارد وتحصد الأرواح وتضيع مستقبل أي دولة.

كما أن سلبية المجتمع الدولي في التعامل مع بعض النزاعات تعد عاملاً أساسياً في استمرارها وفي استمرار معاناة شعوبها ما بين قصف وجوع ونزوح، فإن تقاطعت بعض الصراعات مع التوازنات الإستراتيجية أو مست مصالح بعض الدول العظمى نجد التحرك السريع لمحاولة احتواء الأزمة أو حتى اللجوء للحل العسكري لوأدها في مهدها، أما لو دارت تلك الصراعات بين دول تبعد مصالحها عن مصالح تلك الدول العظمى فإننا لن نجد سوى بيانات الشجب والإدانة ومشاعر القلق العميق دون أي رد فعل عملي، ومن المؤكد أن ازدواجية المعايير التي غدت سمة ملازمة لحل الصراعات بين كافة دول العالم لم تضعف ثقة الشعوب في المجتمع الدولي فحسب، بل قوضت فكرة العدالة العالمية ذاتها.