لمعرفة الديمقراطية لابد من الحفر والبحث عن الجذور، دون الحفر والنبش عن أصل الشيء يصعب استيعابه وفهمه. وكما قيل الحكم على الشيء فرع من تصوره، فلا يتأتى أن تعرف الديمقراطية في منأى عن أصولها ونشأتها وحاضنتها. الديمقراطية ليست صندوق الانتخابات ولا الأحزاب أو التيارات السياسية. يقول الدكتور الفيلسوف المصري مراد وهبة في كتابه رباعية الديمقراطية مكوّنات الديمقراطية من وجهة نظره، إن العَلمانية هي المكوّن الأول الرئيسي للديمقراطية، وأنه لا مشروع ديمقراطي حقيقي بدون أن تكون العَلمانية هي الأساس الذي يُبنى عليه هذا المشروع، بالإضافة إلى الليبرالية التي تعتبر المكوّن النهائي للمشروع الديمقراطي، وبينهما التنوير والعقد الاجتماعي.
نشأ مصطلح الديمقراطية في القرن الخامس قبل الميلاد، في كتاب «تاريخ الحرب البليبونيزية» للمؤرِّخ اليوناني *ثوسيدس*، عندما ذكر عبارة أحد رجال الدولة في أثينا: «إن أثينا هي نموذج الديمقراطية؛ لأن دستورنا لا يحاكي قوانين الدول المجاورة، إنما هو نموذج للآخرين. ننحاز للأغلبية، وقوانيننا عادلة للكل، ونعظّم الموهبة على أساس التميُّز وحده». توضِّح العبارة شكل الديمقراطية في أثينا وقتها، والتي انتهى مسارها نهاية مؤسفة بعد حربهم مع إسبرطة، والتي دُمرّت فيها اليونان تمامًا، وتم احتلالها عام 404 ق.م.
وإثر الهزيمة المؤسفة لأثينا، رأى أفلاطون أن الديمقراطية سبب الهزيمة. ودعا للحكم المطلق، أي حكم الإله، وبتطبيق الحكم المطلق على الأرض فإن الحاكم هو (الفيلسوف) لأنه الوحيد القادر على الحكم في المدينة الفاضلة... وأدّى ذلك إلى غياب لفظ الديمقراطية لمدة ألفي عام، كانت الدراسات السياسية متوقفة فيها على دراسة الحكم الملكي، أو حكم الطبقات الأرستقراطية.
يرى الفيلسوف الدكتور مراد وهبة أنّ العلمانية بكسر العين خطأ شائع بين طائفة المثقفين. أما عند الفرنجة فالعلمانية تعنى العالَم المتزمن بالزمان، أي عالم له تاريخ، ومن هذه الزاوية تقوم العلمانية على العالم الزماني والنسبي، أي المتحرر من الصيغ المطلقة. ويذهب إلى أن نظرية «دوران الأرض» تعنى أن الأرض لم تعد مركزًا للكون، وعندما لا تكون الأرض مركزًا للكون لا يكون الإنسان بدوره مركزًا للكون، وعندما لا يكون الإنسان كذلك فلن يكون في إمكانه امتلاك الحقيقة المطلقة، ويترتب على ذلك أن يكون الإنسان محكومًا بما هو نسبي، وحتى لو تطلع إلى اقتناص المطلق فلن يكون في إمكانه اقتناصه، «التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق»، ومن هنا يمكن القول بأن العلمانية أسلوب في التفكير قبل أن تكون أسلوبًا في السياسة.
إذا كانت العَلمانية المكوّن الأول للديمقراطية فالمكوّن الثاني نظرية العقد الاجتماعي التي نشأت في القرن السابع عشر مردودة إلى مفهوم «الموافقة» للفيلسوف الإنجليزي جون لوك. وهنا يثور السؤال ما العلاقة بين نظرية العقد الاجتماعي والموافقة؟ أثار لوك هذا السؤال في كتابه المعنون «رسالتان عن الحكومة».
في الرسالة الأولى الفكرة المحورية تدور حول تدمير مبدأ الحق الإلهي للملوك، وفي الرسالة الثانية الفكرة المحورية تدور حول أصل المجتمع، إذ المجتمع لم يكن موجوداً مع بداية وجود بني البشر، وإنما الذي كان موجوداً هو ما يسميه لوك «حالة الطبيعة»، حيث كل إنسان هو قانون نفسه. ولهذا لم يكن ثمة سلام، فالضعفاء لم يكن لديهم من يحميهم من الأقوياء، والأقوياء أنفسهم كانوا في ذعر من منافسيهم، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى تكوين مجتمع بـ«عقد اجتماعي» ينص على «موافقة» البشر على التنازل عن بعض حقوقهم لحاكم يأتي بإرادتهم في مقابل أن يحقق لهم الأمن والأمان. وينتهي الفيلسوف وهبة إلى أنه يلزم من ذلك أن يكون سلطان الحاكم سلطاناً نسبياً وليس سلطاناً مطلقاً.. ومن هنا تكون نظرية العقد الاجتماعي مؤسسة على العلمانية بحسب تعريفه لها بأنها «التفكير في النسبي» بما هو نسبي وليس بما هو مطلق.
المحور الثالث التنوير إذا كان سلطان الحاكم – في نظرية العقد الاجتماعي عند الفيلسوف الإنجليزي جون لوك – سلطاناً نسبياً وليس سلطاناً مطلقاً بدعوى أن الشعب وليس الله هو الذي أتى به حاكماً فإنه يكون بالضرورة علمانياً لأنه يفكر في إطار ما هو نسبي وليس في إطار ما هو مطلق، وإذا كان الحاكم علمانياً فهو بالضرورة متسامح، لأن التسامح يستلزم قبول الاختلاف.
ما التنوير؟
الجواب الشائع عن هذا السؤال هو جواب كانط في مقالته المشهورة بعنوان «جواب عن سؤال: ما التنوير؟»، التنوير هو إعمال العقل من غير معونة الآخرين، الأمر الذي يمكن معه القول بأنه لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه. ومعنى ذلك أن لدى كل منا عقلين: عقل يفكر ثم ينعكس على ذاته فيكوّن عقلاً آخر يفكر فيما نفكر فيه، وهذا العقل الثاني هو العقل الناقد.
المكون الرابع الليبرالية. Liberalism وهو مشتق من اللفظ اللاتينى liberalis
ومعناه الإنسان الحر. وقيل إن نشأة الليبرالية ملازمة لنشأة الرأسمالية بدعوى أن الرأسمالية هي الطريق إلى تحقيق الغاية من الليبرالية وهي حرية الفرد.
وهكذا، لا تظهر الديمقراطية كنظام سياسي جاهز، بل تتجلى كمشروع فكري متراكم، بُنِيَ على أسس فلسفية متعاقبة. فهي ثمرة عقل نقدي يؤمن بالنسبية (العلمانية)، ويرسّخ السلطة في إرادة الجماعة (العقد الاجتماعي)، ويحرر الفكر من الوصاية (التنوير)، وينطلق من حرية الفرد كقيمة عليا (الليبرالية). إنها، في جوهرها الفكري، رحلة طويلة للإنسان نحو حكم نفسه بنفسه، بعيداً عن المطلقات التي تسلبه إرادته.