خلال العشرين سنة الأخيرة نما بشكل خطير أحد أكبر روافد الحروب الأهلية والخارجية والإرهاب والانقلابات والثورات، وهو شركات المرتزقة التي توظّف عسكريين سابقين، بالإضافة للفقراء الذين حسب تحقيق للأمم المتحدة غالبهم يتم تجنيدهم بشكل مخادع باسم حراسات أمنية لمرافق مدنية، وبعد وصولهم لمقر شركات المرتزقة تسحب مستنداتهم الثبوتية ويجبرون على التدريبات الحربية، ويرسلون للقتال، وبعضهم سجّل رسالة استنجاد لأهله يخبرهم بما تعرّض له لكن لا أحد نجح باسترجاع هؤلاء المخدوعين. والتيار التخريبي الذي يقود حملة إشعال نيران الحروب الأهلية والانفصالية بالدول العربية أنشأ جيشاً من المرتزقة عبر حوالي 20 شركة مرتزقة غالبها شركات مرتزقة عالمية نقلت مقارها لبلد هذا التيار التخريبي، وفرضت عليهم الخزانة الأمريكية عقوبات لجرائمهم بالسودان، وعقوبات على حوالي 520 كياناً فيها، وهو أعلى رقم عالمي للعقوبات، ومن ضمن الشركات التي نقلت نشاطها إليه شركة بلاك ووتر، التي صرح رئيسها إيرك برنس أن مهمته القضاء على الإسلام والمسلمين، وكان يكافئ من يقتل أكبر عدد من العراقيين، وأدانته وغرّمته الحكومة الأمريكية على تهريب السلاح للعراق وأفغانستان والذي وصل للإرهابيين؛ لكي تدفع له الحكومة لمقاتلة هؤلاء الإرهابيين، وفيها أكثر من 1300 شركة أمنية عليها شبهة استدراج الفقراء بمسمى العمل بالحراسات الأمنية المدنية، ليتم إجبارهم على القتال، وهناك أفلام وثائقية عديدة عن جرائم المرتزقة الأجانب بالدول العربية، وظهر المرتزقة الأجانب بوجوههم وأسمائهم الحقيقية يعترفون بجرائمهم؛ لأن وضع المرتزقة لا يكاد يصدق؛ فهم فئة ليست فقط معفية من جميع القوانين والأنظمة التي تضبط عمل العسكريين والأمنيين النظاميين، إنما أيضاً ليست هناك محاسبة لهم من أي جهة، ومهما اقترفوا من جرائم واعترفوا بها علانية وأثبتتها الأمم المتحدة وفرضت الخزانة الأمريكية عقوبات على شركاتهم يبقى أفرادها بلا عقاب، وهذا جرّأهم على جرائم مروعة وتصوير أنفسهم وهم يقومون بها لأنهم يعلمون أنه لن يحاسبهم أحد، وليسوا ملزمين بأي قانون ولا نظام، وصاروا بهذا وقوداً أساسياً للحروب، ولولاهم لما قامت واستمرت كثير من الحروب؛ ففقدان المواطنين بالحروب يشكّل عامل ضغط على الحكومات لإيقافها، لكن مقتل المرتزقة لا قيمة له مهما كان العدد، ولذا بوجود المرتزقة يمكن توسيع وإطالة أمد الحروب، وللأسف تم استدراج عدد كبير من العرب بوظائف الحراسات الأمنية المدنية، وتم إجبارهم على التدريب العسكري وإرسالهم كمرتزقة يعملون لصالح التيار التخريبي الذي أشعل الحروب الأهلية بالدول العربية، وهناك عدد كبير من المرتزقة العرب بالجبهات الروسية والأوكرانية وأهاليهم حتى لا يعرفون، وبلغت بعض شركات المرتزقة الكبرى درجة من النفوذ أن مديريها صاروا يتحكّمون بمسار الحروب بدل القادة الرسميين ويتلاعبون بالسياسات الوطنية للبلدان، ولذا أهم جهد يمكن به محاصرة العوامل المسهلة للحروب والجرائم ضد الإنسانية هو تبني مسعى عالمي عبر كل مؤسسات الشرعية الدولية لتجريم وحظر وجود شركات المرتزقة، وفرض أقصى العقوبات عليها، وفرض تعويضات عليها للضحايا عن جرائمها التي أثبتتها التحقيقات الأمريكية وتحقيقات هيئات الأمم المتحدة، حتى تفلس، فشركات المرتزقة هي عدوة الاستقرار والسلام العالمي، وتدخلها يعني بالضرورة حدوث جرائم ضد الإنسانية؛ لأن أفرادها غير ملزمين بالقوانين والأنظمة العسكرية والأمنية، والقتال والأمن يجب أن يكونا بالكامل محتكرين من قبل الدولة، ويمكن رفع كفاءتهما بالحوكمة الفعّالة، فلا يوجد أي مبرر يسوّغ وجود شركات للمرتزقة، ومن يوظفهم يكشف عن نية مبيتة لاقتراف جرائم قذرة لا يريد أن تتسخ سمعة جيشه بالقيام بها، ولذا من سيتبنى قضية تجريم وإنهاء وجود شركات المرتزقة سيحصل بلا شك على جائزة نوبل للسلام.