رحيل نغولو كانتي لم يكن مجرد خبر انتقال لاعب محترف، بل كان لحظة كاشفة لخلل إداري مزمن داخل نادي الاتحاد. الأندية الكبرى تُختبر في الأزمات، لا في الأيام الهادئة، وما حدث في هذا الملف أثبت أن الإدارة فشلت في أهم معيار للقيادة الرياضية: القدرة على الاحتواء؛ لأن النجوم لا يرحلون فقط بسبب العروض، بل بسبب البيئة التي يشعرون فيها بالاستقرار أو فقدانه.

كانتي لاعب يُضرب به المثل في الانضباط والهدوء والاحترافية. حين يفشل نادٍ في الحفاظ على نموذج كهذا، فإن المشكلة لا يمكن اختصارها في بند تعاقدي أو قرار فني. المشكلة أعمق: إدارة لا تملك أدوات إدارة العلاقات داخل الفريق، ولا القدرة على قراءة التوتر قبل أن يتحول إلى قرار رحيل. هذا ليس خطأ لحظة... بل انعكاس طريقة عمل كاملة.

المشهد الذي سبق الرحيل اتسم بالغموض والصمت. لا توضيح، لا مواجهة صريحة للجمهور، ولا محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد. في كرة القدم الحديثة، التواصل جزء من الإدارة، والصمت يُفسَّر دائماً كعجز. الجماهير لا تطالب بالمستحيل؛ هي تطالب بإحساس أن ناديها يُدار بعقل وشفافية. لكن ما حدث عزز شعوراً معاكساً: أن الملفات الحساسة تُدار خلف الأبواب المغلقة حتى تنفجر.

الأخطر أن تكرار هذه الحالات يصنع صورة ذهنية سلبية عن النادي. اللاعبون يراقبون، ووكلاء الأعمال يراقبون، والسوق كله يقرأ الإشارات. عندما يظهر نادٍ عاجزاً عن احتواء نجومه، فإنه يضعف موقعه التفاوضي مستقبلاً، ويخسر جزءاً من هيبته قبل أن يخسر أي مباراة. الإدارة الناجحة تحمي سمعة النادي بقدر ما تحمي نتائجه.

جمهور الاتحاد لا يغضب بسبب اسم لاعب فقط، بل بسبب الإحساس المتراكم بأن الفريق يُدار بردود الأفعال لا برؤية طويلة الأمد. المشجع يريد مشروعاً واضحاً، لا سلسلة قرارات متفرقة. يريد أن يشعر أن هناك قيادة تمسك الدفة بثبات، لا إدارة تطفئ حرائق صنعتها بنفسها.

رحيل كانتي ليس ملفاً منفصلاً، بل حلقة ضمن نمط إداري يحتاج مراجعة عاجلة. الاتحاد كيان تاريخي لا يحتمل إدارة مؤقتة التفكير. الأندية العظيمة تبني بيئة تجعل النجوم ترغب بالبقاء، لا تبحث عن مخرج. الفارق بين الإدارة القوية والضعيفة يظهر هنا تحديداً: في لحظة الاحتواء.

اليوم، لم يعد كافياً الحديث عن التعويض بصفقة جديدة. المشكلة ليست في البديل، بل في الأصل. إذا لم تتغير طريقة إدارة الأزمات، فإن الأسماء ستتغير لكن القصة ستتكرر. الاتحاد يحتاج قيادة تعيد تعريف مفهوم الاستقرار داخل النادي، قبل أن يتحول كل موسم إلى بداية أزمة جديدة.

بعد هذا الملف، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالتبرير. الإدارة التي تفشل في احتواء نجومها تفقد مبرر بقائها. الاستقالة اليوم ليست هروباً، بل اعتراف مسؤول بالفشل. بقاء الوضع كما هو يعني استمرار النزيف، ورحيل هذه الإدارة هو أول خطوة لإعادة بناء الثقة داخل الكيان.