حين سُئل أحد القادة عن سر نجاح الأعمال الجبارة، قال دون تفكير: «عندما يرتدي القائم على أي عمل عباءة الشريك لا الموظف سيكون النجاح حليفه بلا جدال»، هذه الفلسفة البسيطة في ظاهرها العميقة في جوهرها؛ المحرك الأساس لأضخم عملية تحول اقتصادي تشهدها المنطقة عموماً، ومملكتنا الحبيبة على وجه الخصوص.
بلادنا بتلك الخطوة الكبرى تعيد تعريف دورها في المشاريع الحكومية، فتتحول من مشغِّل مباشر إلى منظّم ومراقب، ومن منفِّذ وحيد إلى شريك استراتيجي.
في هذا السياق، جاء إعلان وزير المالية محمد الجدعان ببدء تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتخصيص، ليشكَّل لحظة فارقة في مسيرة التحول الاقتصادي، ويدشَّن المرحلة الثانية من التخصيص بعد تسعة أعوام من تأسيس «المركز الوطني للتخصيص» (2017)، بالانتقال بالمفهوم من فكرة إصلاحية إلى منظومة متكاملة ذات أثر اقتصادي اجتماعي مستدام.
ويعكس إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص التزام المملكة بتطوير البنية التحتية والخدمات العامة، وتعزيز جاذبية الاستثمار، من خلال منظومة تستهدف 18 قطاعاً حيوياً؛ تشمل قطاعات محورية تتقدمها: الصحة، التعليم، النقل والخدمات اللوجستية، والاتصالات وتقنية المعلومات والبيئة والمياه والزراعة.
اللافت أن الاستراتيجية لم تُبنَ على الطموح وحده، بل على أرقام واضحة ومسارات دقيقة؛ إذ حددت 147 فرصة استثمارية ذات أولوية، جرى انتقاؤها من بين نحو 500 مشروع، في إشارة إلى نضج الرؤية، وتركيز الجهود على المشاريع الأعلى أثراً، كما تستهدف جذب استثمارات رأسمالية من القطاع الخاص بقيمة 240 مليار ريال بحلول عام 2030، وتحقيق 27 مليار ريال صافي عوائد حكومية.
ويكمن سحر التخصيص في «تحديد الأدوار»، ففي السابق كانت الحكومة هي من يبني، ويشغل، ويراقب نفسه، وهي معادلة صعبة للوصول إلى الكمال. وبموجب الاستراتيجية الجديدة يصبح القطاع الخاص هو المشغل للمشاريع الحكومية، والحكومة هي المراقب الدقيق لتنفيذ تلك المشاريع.
ومن خلال خمسة برامج استراتيجية؛ تسعى المملكة إلى تعظيم الأثر، حيث يركز البرنامج التنفيذي على المشاريع ذات الأولوية، بينما تدعم البرامج الأربعة الأخرى البيئة التنظيمية، وتطوير القدرات البشرية، وإدارة المعرفة، وهنا يستفيد المواطن من خبرات القطاع الخاص في سرعة التنفيذ، ومرونة التشغيل، والابتكار التقني، بينما تضمن الحكومة عبر أجهزتها الرقابية أن تظل الخدمة ضمن أعلى المعايير العالمية.
الهدف النهائي ليس مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل خلق أثر اجتماعي مستدام، فإبرام 221 عقداً ناتجاً عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص يعني استحداث آلاف الوظائف النوعية للشباب السعودي، وتحسين «تجربة العميل» في المرفق الصحي، والمدرسة، والمطار، والبلدية.
أتوقع أن تكون الاستراتيجية رسالة التزام سعودية للعالم؛ مفادها أن المملكة هي المرجع العالمي القادم في تخصيص البنى التحتية، فنحن لا نبني اقتصاداً قوياً فحسب، بل نبني مستقبلاً تضمن فيه الدولة لمواطنها أفضل الخدمات بأقل التكاليف وأعلى مستويات الرفاهية، في ظل رؤية طموحة لم تترك شيئاً للمصادفة.
الاستراتيجية الوطنية للتخصيص.. المُحرِّك الاقتصادي القادم:
إطلاق التخصيص
يعكس الالتزام بتطوير البنية التحتية والخدمات العامة
سحر التخصيص
تصبح الحكومة المراقب والقطاع الخاص هو المشغل
نضج التخصيص
ليس بالطموح فقط، بل بأرقام واضحة ومسارات دقيقة
مستقبل التخصيص
بناء مستقبل لضمان خدمات راقية بأقل التكاليف