مع بداية بطولة كأس العرب في الدوحة، فإن ما جرى على المؤسسات العربية من حساسيات مفرطة ومحالات استئثار يسري عليها، لكن الفرق تبدل المسؤولية، فالبطولة جماهيرية، وانعكاسها على العلاقات «العربية-العربية» تتحمّله الشعوب المندفعة والمتحسّسة التي ترى في الفوز على الجار العربي هو أقصى أمانيها، بينما هي في الحقيقة مخرجات يختزنها العقل العربي على مدى قرون.

وبالرغم من أن البطولة شعبية ومعظم من يقود اتجاهاتها الجماهير والأوساط الإعلامية الرياضية، إلا أنها لا تختلف عن مفاعيل النخب السياسية، بل إن ما تفعله الشعوب مع بعضها البعض أكثر فداحة من السياسيين الذين يتعاملون بالمصالح لا بالعواطف.

إنها نفس الشعوب التي تملأ الفضاء صراخاً بحثاً عن الوحدة العربية، مرة تلوم السياسيين، ومرة الصحافة والإعلام، وأحياناً الغرب، بينما هي تسل السيوف لقطع أواصر القربى، وتأكل لحوم إخوتها من بقية العرب، وهذا الفضاء الإلكتروني مليء بمخرجاتها.

العروبة ليست أماني رومانسية، ولا دعوة تختبئ خلفها نرجسيات التفوق والتنمر والتعالي الثقافي والفني، وليست أحلاماً بالاستيلاء على ثروات الآخرين تخرج حينا في فلتات اللسان وتختبئ حيناً آخر، ولا رقصات في حفلات الافتتاحات، وليست مهرجانات تقام ثم يذهب كل إلى بيته ليتآمر على جاره في اليوم التالي.

إنها مجموعة من القيم العربية التي قال عنها النبي العربي «إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق»، إنها الحضارة العربية غير المادية الحقيقية التي يجب التباهي بها، فالعرب الحقيقيون أسّسوا قيماً وتراثاً وإرثاً للتعاملات، إذا فقدوه تاهوا واندثروا، وهو ما حصل في أي مأساة عربية منذ سقوط الأندلس وقبلها وبعدها، إذا ترك العربي قيمه الحضارية فشل في التعامل مع مخرجات الحضارة المادية، وأصبح أسيراً للبغضاء والضغينة والأحقاد، مندفعاً لقتل ووأد ابن عمه العربي الآخر.

منذ نشوء الدولة العربية في شكلها الحديث بعد العام 1920م، ثم تأسيس جامعة الدول العربية العام 1945م، ثم بدأت المؤسسات المنبثقة أو الموازية بالظهور، سواء التابعة للجامعة أو المستقلة، إضافة إلى مؤسسات ثقافية وعلمية ومجتمعية، ومبادرات ومهرجانات مثل «الجنادرية والمربد وجرش»، هدفت جميعها لدعم الاتصال والتعاون وتسهيل الشراكات العربية.

كما أن منظمات مثل الاتحاد المغاربي، لم تخرج من دائرة لقاءات أولى سرعان ما انهارت بعدها تلك المنظمات، ولم يصمد حتى اليوم سوى مجلس التعاون الخليجي.

كل تلك المبادرات هدفت لتقريب وجهات النظر «العربية-العربية» وتأسيس منظومة للتعاون سعياً وراء حلم رومانسي اسمه «الوحدة»، لدرجة أن دولاً مثل مصر وسورية، وتونس وليبيا جربت الوحدة إلا أنها لم تأتِ كما صوّرتها الدعوات الرومانسية التي روّجت لها أحزاب وإذاعات وطبقات من المثقفين العرب، فالوحدة السورية المصرية لم تزد على سنتين، والوحدة التونسية الليبية لم تستغرق بضعة أيام.

أما الوحدة تحت تهديد السلاح وظهور الدبابات، فقد جربها العرب إثر قيام صدام ومؤيديه بغزو الكويت تحت مسمى الوحدة، وكاد يحوّلها إلى ركام لولا «القيم العربية» التي بنى الملك فهد بن عبدالعزيز مواقفه عليها، عندما قال في حديثه عن غزو الكويت: «يا نعيش سوا، يا ننتهي سوا»، وهي عبارة صغيرة لكنها غيّرت مجرى تاريخ المنطقة، لأنها مثقلة بقيم «الفزعة والمروءة والشهامة ونصرة المظلوم والحميّة»، قيم آمن بها الفهد ابن الجزيرة العربية وطبّقها، ولذلك نجح، ونجحت بلاده.