الأيديولوجيا والهوية مفهومان متشابكان لكنهما مختلفان جوهرياً. طبيعة الأيديولوجيا: مكتسبة واختيارية إلى حدٍّ كبير. الإنسان يتبنى أيديولوجيا معينة كـ(ليبرالية، اشتراكية، قومية، دينية...) من خلال القراءة والتفكير والتأثر بالمحيط. إذاً، الأيديولوجيا عبارة عن مجموعة من الأفكار والمعتقدات والقيم المنظمة التي تشكّل رؤية شاملة للعالم. إنها إطار فكري يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويقدّم حلاً للمشاكل، ويحدّد أهدافاً مرغوبة للمجتمع. الإنسان يتبنّى أيديولوجيا معينة من خلال القراءة والتفكير والتأثر بالمحيط. لذا نجد أنها ذات مرونة نسبية؛ لهذا يمكن للفرد أن يغيّر أيديولوجيته إذا اقتنع بفكرة جديدة أو وجد عيوباً في فكره القديم. الأيديولوجيا هي أشبه بـ «نظارة» ننظر من خلالها إلى العالم ويمكن استبدالها.
أما الهوية فهي إحساس الفرد أو الجماعة بالذات والانتماء؛ فتختلف في مرونتها. الهوية ثابتة نسبياً وعميقة الجذور. من الصعب على الإنسان التخلي عن هويته الأساسية (مثل هويته الوطنية أو الثقافية)؛ لأنها جزء من تكوينه النفسي والاجتماعي. هي أشبه بـ «الجلد» الذي نعيش فيه. إذاً، الأيديولوجيا هي ما يؤمن به (فكر). أما الهوية فهي من يكوّنه (كينونة). باختصار، الهوية هي الجذر الثابت، بينما الأيديولوجيا هي الفرع المتغيّر الذي يمكن أن ينمو في اتجاهات مختلفة بناءً على ذلك الجذر.
الفرق بين المفهومين ليس مجرد تمييز أكاديمي، بل له تداعيات كبرى على فهمنا للفرد، المجتمع، والسياسة. فالتمييز بين المفهومين يمكّننا من فهم الصراعات: صراعات الهوية (مثل الصراع في فلسطين، البلقان، رواندا) تكون غالباً أكثر شراسة وعنفاً؛ لأنها تمس جوهر وجود الناس وهويتهم. يصعب فيها المساومة؛ لأنها ليست مجرد خلاف على الموارد أو السياسات، بل على الحق في الوجود والاعتراف. أما الصراعات الأيديولوجية (مثل الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية) فهي صراعات على الأفكار والنظم السياسية والاقتصادية. قد تكون هناك مساحة للحوار والنقاش الفكري، وربما الوصول إلى حلول وسط؛ مثل الاشتراكية كحل وسط بين الشيوعية والرأسمالية.
لذا نجد أن الخطاب الذي يخلط بين الهوية والأيديولوجيا (مثل: «أنت معنا فأنت منّا، أو ضدنا فأنت خائن») هو خطاب خطير؛ لأنه يجعل النقد الفكري للأيديولوجيا هجوماً على الهوية الشخصية للفرد. كما أن الفرق يساعدنا على تحليل كيف تستخدم القوى السياسية الخوف على الهوية الوطنية أو الدينية لتعبئة الناس وراء أيديولوجيا معينة أو قائد سياسي. بمعنى آخر، يتم تحويل الهوية إلى مشروع أيديولوجي.
التمييز بين الهوية والأيديولوجيا مهم؛ لأنه يساعد على بناء المجتمعات التعددية، فالمجتمع الصحي هو الذي يستطيع الفصل بينهما. يمكن للمجتمع أن يحتوي على تعددية في الهويات (مسلمون، مسيحيون، أكراد، عرب، إلخ) مع توافق على أيديولوجيا وطنية واحدة (كالدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان). المشكلة تظهر عندما تُفرض أيديولوجيا معينة كجزء من الهوية الوطنية، مما يستبعد من لا يؤمن بها.
مما تقدم يتضح أن الفرق بين هذين المفهومين ليس مجرد تعريف، بل هو مفتاح لفهم تعقيدات عالمنا الشخصي والاجتماعي والسياسي.