ما أجمل المراجعات الفكرية التي تعيد العقل إلى صوابه، ولا أجمل من أن يتراجع الإنسان عن خطأ ما ويصححه، فخير الخطائين التوابون، وهذا ما حصل مع الشيخ الدكتور أحمد بن قاسم الغامدي مدير عام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة سابقاً ومستشار «مركز علوم القرآن والسنة»، بعد أن كشف خلال أمسية الأديب عبدالله الخشرمي، الثلاثاء الماضي، أنه تراجع عن أفكار سلبية حول مفاهيم «الحداثة»، مؤكداً رفض الاتهامات البشعة التي نسبت إليها في مطلع ثمانينات القرن الماضي.

حدث كهذا يبدو لي طبيعياً ومنطقياً، وإن لم نصحح بعض الأفكار والمفاهيم بالمراجعات الفكرية، فالزمن وحده سوف يتكفل بفرض هذا التغيير والتطور على مستوى الوعي العام، ويلغي تدريجياً سلسلة من الأفكار والمعتقدات والموروثات الخاطئة.

وهذا هو الواقع في تاريخ صراعات قيم «الحداثة» وموروثات «القدامة»، فالكثير من الشعوب على وجه هذه الأرض، على سبيل المثال، كانت تعتقد يوما ما أن المرأة خلقت فقط لخدمة الزوج ورعاية الأبناء فقط، ولذلك ترتبط الحداثة بظروف المكان والزمان.

وإن قسنا الحداثة وفقاً لفنون الأدب والشعر، سنجد أن لكل شاعر وأديب ومفكر في عصر ما حداثته الخاصة به، ولكل منهم رؤاه التي يتميز بها وموقفه الخاص من القضايا الدنيوية، فمثلما ترتبط الحداثة بظروف المكان والزمان ترتبط أيضاً بعقلية وطروحات المبدعين والمفكرين والأدباء، وفي هذه الجزئية حدث خلط كبير بين مفاهيم الحداثة والتعارض بين المعتقدات والثوابت، والفرق ما بين المفهوم والإطار العام للحداثة والرؤى الذاتية للأفراد التي لا يجوز أن تكون معياراً ثابتاً حول تقييم الحداثة، لأن هذه الجزئية كانت باباً عريضاً لصراع «الحداثة-الصحوة» أو صراع الثمانينات بين تيارات الحداثة والصحوة في المملكة، والذي شب عن الطوق وأدخلنا في فوضى فكرية وعقدية أفضت إلى المنحى السلبي الذي آلت إليه.

ولكن يظل التجديد الحداثي حاجة ملحة لتطور الإنسان والحياة وليس مجرد هدف ذاتي، والخلافات التي دارت لدينا هنا في المملكة، كانت حول عدة مسارات، فهناك من رأى بأن التجديد والحداثة استمرار للموروث وتحوير له وإضافة إليه أو إعادة تشكيله وفقاً للمتغيرات الزمنية، وهناك من رأى بأن التجديد يتطلب الانسلاخ عن الموروث والانقلاب عليه، وهناك من تاه بين هذه المفاهيم دون التمييز الدقيق بين التجديد والتقليد ولعب على أوتار الصراعات التي قامت بين التيارات المتضادة آنذاك.

أقف إلى هنا، ولن أخوض كثيراً في مخلفات الماضي، وأشكر شيخنا الفاضل الدكتور أحمد الغامدي على ما ذكره عن «الحداثة» خلال تلك الأمسية الشعرية وتعريفه المتجدد لها بقوله عنها: «الحداثة اصطلاح خاص يدركه أرباب صناعة الحداثة، وتحسنت الصورة رويدا رويدا ببطء لأنني لم أكن مهتما بذلك الباب واكتفيت باعتباره فنا له رواده الذين يعرفون تفاصيله ودقائقه، حتى هذه الليلة وبقليل من المشاركة والحوار زالت تلك الضبابية المتبقية عندي حول الحداثة وأدركت الحقيقة أن ذلك لا يعدو كونه نوعا من الإغراق في الرمزية بقصد التفنن في الصور الأدبية التي يجسد بها الشاعر في بيئته معاني قد يدرك كل واحد من معانيها ما لا يدركه الآخر لا أكثر».

وهكذا.. آن للحق أن يتجلى، والزمن وحده كفيل بفرض الكثير من المتغيرات إن لم تكفل عقولنا تقبل التجديد، حيث أثبت الزمن مقدرته على علاج الكثير من ترهات وبسابس الماضي، ولا تزال قيم التنوير تمثل أفقاً لم يتم استنفاده بعد، ولهذا لا تزال مقولة هابرماس قائمة حتى يومنا هذا: «الحداثة مشروع لم يكتمل بعد».