أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1925.jpg?v=1791915299&w=220&q=100&f=webp

سعد بن محمد العريفي

الدروس المستفادة من الحروب الحالية

منذ حرب تحرير الكويت عام ١٩٩١، مضت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مسيرة تنموية واسعة، على الرغم مما شهدته المنطقة من أزمات وتحديات. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، استثمرت هذه الدول في تطوير البنية التحتية، وبناء الإنسان، وتنويع الاقتصاد، حتى أصبحت مدنها وموانئها ومطاراتها ومؤسساتها نماذج للتقدم، ومراكز مؤثرة في حركة الاقتصاد العالمي.

غير أن الحروب الحالية أعادت طرح سؤال جوهري: كيف نحمي هذه المنجزات في منطقة تتنافس فيها مشاريع التنمية مع مشاريع النفوذ والهيمنة؟

في تقديري، أظهر المشروع الإيراني اختلالًا واضحًا في ترتيب الأولويات؛ إذ منح توسيع النفوذ الإقليمي وبناء القدرات العسكرية مساحة كبيرة، واعتمد على دعم جماعات مسلحة خارج حدوده، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن وفصائل مسلحة في العراق. ساهم هذا النهج في إضعاف مؤسسات تلك الدول، وتعميق الانقسامات، وإبقاء المنطقة عرضة لأزمات تستنزف مواردها وتعرقل تنميتها.

وفي المقابل، لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن السياسات الإسرائيلية الساعية إلى تعزيز التفوق العسكري وتوسيع حرية الحركة في المنطقة. وقد احتل الملف النووي الإيراني موقعًا مركزيًا في تقارب المواقف الأمريكية والإسرائيلية؛ فالتخصيب الإيراني بلغ مستويات تصل إلى ٦٠٪، وهو مستوى يثير مخاوف جدية، لكنه لا يعني بذاته امتلاك سلاح نووي مكتمل. ومن الضروري التمييز بين امتلاك المواد والقدرات التقنية وبين ثبوت تصنيع القنبلة.

ومع اتساع الحرب، برزت الممرات البحرية بوصفها إحدى أخطر ساحات الضغط. فمضيقا هرمز وباب المندب ليسا مجرد موقعين جغرافيين، بل شريانان للطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. وقد كشفت اضطرابات الملاحة في هرمز أن تهديد السفن يمكن أن يفرض كلفة عالمية كبيرة، حتى دون إغلاق المضيق إغلاقًا كاملًا ومستمرًا.

وفي اليمن، تزامنًا مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، كثفت (ميليشيا الحوثي) المدعومة من إيران تحركاتها غربًا نحو مضيق باب المندب. وبالفعل باستخدام استراتيجية الحشود استطاعت المليشيات احتلال بعض المناطق حتى وصلوا لباب المندب وجزيرة ميون، بعدها أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إطلاق عملية «فجر اليمن» لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي. وأعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع استراتيجية في ذو باب ومحيط باب المندب، في تطورات تؤكد مركزية الساحل الغربي في أمن اليمن والمنطقة.

مؤخرًا امتدت الاعتداءات الحوثية إلى منشآت مدنية في المملكة، شملت مدن الحرمين الشريفين ومحطة توزيع الكهرباء في المدينة المنورة التي تقدم خدماتها للمسجد النبوي الشريف والأعيان المدنية من مطارات ومقدرات هامة. وهذه الاعتداءات بالغة الخطورة التي سقط ضحيتها الكثير من المدنيين، وكذا ضيوف الرحمن من المعتمرين، تُحتم ضرورة حماية المملكة ومقدراتها، وإسناد الدولة اليمنية في مواجهة تهديد ميليشيات الجماعة المسلحة.

من هذه التطورات، يمكن استخلاص جملة من الدروس.

أولًا: التنمية تحتاج إلى قوة تحميها.

لقد نجحت دول الخليج في بناء اقتصادات حديثة، لكن حماية هذه الاقتصادات تستلزم مواصلة الاستثمار في الدفاع، والمسيرات، والإنذار المبكر، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية. فالأمن والتنمية ركيزتان متكاملتان؛ فكلما اتسعت المنجزات، ازدادت مسؤولية تأمينها.

ثانيًا: الأمن الخليجي مسؤولية مشتركة.

ما يصيب دولة من دول المجلس يترك أثره في بقية الدول، سواء في التجارة أو الاستثمار أو الطاقة أو ثقة الأسواق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تكامل أعمق وتفعيل الدفاع المشترك وتبادل المعلومات، والدفاع الجوي والبحري، والتخطيط للطوارئ، وتحويل مفهوم الأمن الجماعي إلى قدرة عملية مستدامة.

ثالثًا: بقاء السلاح خارج سلطة الدولة يحول دون الاستقرار.

إن وجود جماعات مسلحة تملك قرار الحرب والسلم، وتربط خياراتها بحسابات خارجية، يجعل التسويات السياسية هشة. ولذلك فإن استعادة الدولة اليمنية يجب أن تعني استعادة مؤسساتها وسيادتها واحتكارها للسلاح، إلى جانب بناء شراكة وطنية تتسع لليمنيين وتحمي حقوقهم.

رابعًا: حماية الملاحة تبدأ من استقرار الدول المطلة عليها.

الحضور البحري ضروري لتأمين الممرات، لكنه يحتاج إلى دول قادرة على ضبط سواحلها ومنع استخدامها لتهديد السفن. ومن هذا المنطلق، فإن دعم استقرار اليمن ومؤسساته يخدم أمن الجزيرة العربية والتجارة الدولية معًا.

خامسًا: تنويع منافذ الاقتصاد ضرورة استراتيجية.

تؤكد الحرب أهمية تطوير الموانئ، وخطوط الأنابيب كبديل لنقل النفط، والربط البري وسكك الحديد، والخزن الاستراتيجي. فمرونة الاقتصاد تُقاس بقدرته على استمرار العمل عند تعطل طريق أو ميناء أو مصدر إمداد.

سادسًا: الشراكات الدولية تقوى بالقدرة الذاتية.

تظل التحالفات مهمة، لكنها تكون أكثر فاعلية حين تستند إلى صناعات دفاعية وطنية، وكفاءات بشرية مؤهلة، وقدرة على الصيانة والإمداد واتخاذ القرار. فالاعتماد المتوازن على الشركاء يمنح الدول مساحة أوسع لحماية مصالحها.

سابعًا: النجاح العسكري يحتاج إلى أفق سياسي.

استعادة الأرض يجب أن تتبعها استعادة الخدمات، وإصلاح المؤسسات، وتحسين معيشة الناس، وحماية المدنيين. وفي اليمن خصوصًا، ينبغي أن تقترن العمليات العسكرية بخطة واضحة للتعافي الاقتصادي، (يشارك فيه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بدور محوري)، والمصالحة الوطنية، حتى يصبح استقرار الدولة واقعًا يشعر به المواطن.

ثامنًا: مصداقية الخطاب جزء من إدارة الأزمة.

في الحروب تتداخل الأخبار المؤكدة مع الادعاءات والدعاية. ولذلك فإن دقة البيانات، وسرعة توضيح الوقائع، والتمييز بين الخبر والتحليل، تعزز الثقة وتمنع الشائعات من التأثير في القرار والرأي العام.

لقد أثبتت التجربة الخليجية أن بناء الإنسان والمؤسسات هو الطريق الأجدى لصناعة مستقبل مستقر. وتؤكد الحرب الحالية أن حماية هذا الطريق تتطلب يقظة وقوة وتضامنًا، إلى جانب دبلوماسية قادرة على احتواء الأزمات وفتح أبواب التسوية.

والمطلوب اليوم تحويل دروس الحرب إلى سياسات دائمة: أمن خليجي أكثر تكاملًا، واقتصاد أكثر مرونة، ودول عربية تستعيد مؤسساتها وسيادتها، ليبقى قرار مستقبل المنطقة في يد شعوبها ودولها.

منذ ساعة