عبر عقود عشتها وعايشت أحداثها، ومن خلال ما قرأت وسمعت عن العقود التي سبقتني منذ أن وحّد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- شتات هذه البلاد، ترسّخت في داخلي قناعة لم تعد عندي مجرد انطباع عابر، بل حقيقة أكدتها الأيام مرة بعد أخرى: أن هذا الوطن كلما أراد به أحد سوءًا، خرج من المحنة أكثر قوة، وكلما ظن خصومه أن ظرفًا ما يمكن أن يفرق أبناءه، ازدادوا تماسكًا والتفافًا حول وطنهم وقيادتهم.
ولعل هذه واحدة من أكثر خصائص التجربة السعودية استحقاقًا للتأمل.
فالأوطان لا تُعرف في أوقات الرخاء وحدها، ولا تُقاس قوتها بما تملكه من ثروة أو مساحة أو إمكانات فقط، وإنما تظهر معادنها الحقيقية عندما تواجه الخطر، وتشتد حولها الأزمات، ويُختبر ولاء أبنائها وقدرتهم على التماسك.
وهنا كانت المملكة، طوال تاريخها الحديث، تقدم في كل اختبار تقريبًا الإجابة ذاتها: نختلف في التفاصيل، نتباين في الآراء، تتعدد مناطقنا ولهجاتنا واهتماماتنا، ولكن عندما يتعلق الأمر بالوطن يصبح الوطن هو الكلمة التي لا يعلو فوقها شيء.
من التوحيد بدأت الحكاية
حين ننظر إلى المملكة اليوم قد يبدو للأجيال الجديدة أن وجود دولة بهذا الاتساع والاستقرار أمر طبيعي، لكن العودة إلى ما قبل التوحيد تكشف حجم الإنجاز التاريخي الذي تحقق.
كانت هذه الأرض مساحات مترامية، ومناطق وقبائل وبلدات تفصل بينها المسافات والصراعات والظروف القاسية. ثم جاء مشروع الملك عبدالعزيز، ولم يكن مشروع ضم أرض إلى أرض فقط، بل كان قبل ذلك وبعده مشروع صناعة وطن.
وهناك فرق هائل بين أن تجمع الجغرافيا وأن توحد الإنسان.
الجغرافيا قد تُضم بالقوة، لكن الأوطان لا تستمر بالقوة وحدها. إنها تستمر حين يتحول الانتماء إليها إلى شعور راسخ في النفوس، وحين يشعر المواطن في شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها ووسطها أن ما يصيب جزءًا من الوطن يصيبه هو شخصيًا. وهذا ما صنعته العقود.
تحولت المناطق إلى وطن، وتحولت القبائل والعائلات والمجتمعات المحلية إلى شعب تجمعه دولة واحدة ومصير واحد وراية واحدة.
ولذلك فإن أعظم ما تحقق منذ التوحيد ليس الطرق ولا المدن ولا النفط ولا المصانع ولا الجامعات، على عظمة كل ذلك، وإنما بناء الهوية الوطنية السعودية التي أصبحت مع مرور الزمن أقوى من محاولات اختراقها أو العبث بها.
حاولوا من أبواب كثيرة
مر على المملكة خلال تاريخها الحديث كثير من الظروف العاصفة.
تغيّرت أنظمة في المنطقة، واشتعلت حروب، وظهرت أيديولوجيات كانت تعلن أنها ستعيد تشكيل المنطقة بأكملها. وجاءت أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية، وظهرت موجات من الإرهاب والتطرف، واشتعلت المنطقة بحروب الخليج، ثم دخل العالم عصر الفوضى الإعلامية والحروب النفسية والشائعات ومنصات التواصل الاجتماعي.
تغيّرت الأدوات، لكن الهدف في بعض المراحل بقي واحدًا: زعزعة الثقة بين المواطن ووطنه.
مرة باسم السياسة، ومرة باسم الدين، ومرة باسم القبيلة أو المنطقة، ومرة عبر الاقتصاد، ومرة عبر شائعة، ومرة عبر خطاب إعلامي يتمنى أن يرى الخلاف الطبيعي داخل المجتمع وقد تحول إلى شرخ وطني.
لكن ما لم يفهمه كثير ممن راهنوا على ذلك أن المجتمع السعودي راكم عبر أجياله ذاكرة وطنية مشتركة. ذاكرة تقول له إن أمنه لم يأتِ مصادفة. وإن وحدته لم تكن هدية سهلة. وإن الاستقرار الذي يعيشه بُني عبر أجيال. وإن الوطن، مهما كانت الملاحظات على شأن من شؤونه، أكبر من الملاحظة، وأبقى من الأزمة، وأهم من الخلاف.
وفي المحن يظهر المعدن
عشت شخصيًا مراحل كثيرة من تاريخ بلادنا الحديث، وشاهدت كيف تتغير لغة الناس عندما يشعرون بأن وطنهم مستهدف.
قد يختلف السعودي مع السعودي حول قضية اجتماعية، أو قرار اقتصادي، أو مباراة كرة قدم، أو شأن ثقافي أو إعلامي، وقد ترتفع حدة النقاش بينهما، لكن هناك خطًا عميقًا غير مكتوب يعرفه الجميع: الوطن ليس موضع مساومة. وهذه ليست شعارات مناسبات كما قد يتصور البعض. إنها تظهر بوضوح عند الشدائد.
حين يتعرّض الوطن لخطر خارجي تتراجع الخلافات الصغيرة إلى الخلف.
وحين يحاول الإرهاب ضرب المجتمع، يكتشف الإرهابي أن الدم الذي أراد أن يجعله سببًا للفرقة أصبح سببًا لمزيد من التلاحم.
وحين تنطلق حملات التشويه، كثيرًا ما تكون النتيجة عكسية، لأن المواطن الذي قد ينتقد شأنًا داخليًا بلسانه هو نفسه الذي يقف مدافعًا عن وطنه عندما يشعر بأن النقد تحول إلى استهداف.
وهذه معادلة لا يفهمها من ينظر إلى المجتمعات من خارجها.
فالانتماء الحقيقي لا يعني أن ترى كل شيء كاملًا، بل أن تعرف الفرق بين إصلاح بيتك وبين السماح للآخرين بهدمه.
وطن لا يخاف من التطور
ومن أسرار القوة السعودية كذلك أنها لم تجعل الحفاظ على الثوابت عذرًا للجمود.
فالمملكة التي عرفناها قبل خمسين عامًا ليست المملكة التي نراها اليوم في تفاصيل الحياة والاقتصاد والتعليم والثقافة والتقنية ودور المرأة وطموحات الشباب وحجم المشاريع والانفتاح على العالم. لكنها، وسط هذا التحول الهائل، بقيت المملكة العربية السعودية.
وهنا تكمن المعادلة الصعبة:
أن تتغيّر دون أن تفقد نفسك، وأن تتطور دون أن تتخلى عن جذورك، وأن تذهب بعيدًا نحو المستقبل وأنت تعرف من أين أتيت.
وهذا ما يجعل التحوّلات التي تعيشها المملكة اليوم أكثر من مجرد مشاريع اقتصادية وتنموية؛ إنها مرحلة جديدة من بناء الإنسان السعودي وإعادة تعريف الممكن أمامه.
جيل الآباء بنى وحافظ.
وجيل الأبناء طور ووسع.
وجيل الشباب اليوم يُطلب منه أن ينافس العالم.
وهكذا يصبح الوطن مشروعًا متصلًا بين الأجيال، لا يبدأ مع جيل ولا ينتهي برحيله.
الخطأ المتكرر في قراءة السعودية
كثير ممن حاولوا قراءة المملكة من الخارج وقعوا في خطأ جوهري: كانوا يقرؤونها باعتبارها دولة غنية بالنفط فقط. والنفط مهم، لكنه لا يفسر كل شيء.
لو كانت الثروة وحدها تصنع استقرار الدول لما سقطت دول غنية، ولما تفككت مجتمعات تمتلك من الموارد أكثر مما تحتاج.
قوة المملكة الحقيقية أعمق من برميل النفط.
إنها في شرعية تاريخية تراكمت، ومؤسسات تطورت، وقيادة تعرف طبيعة مجتمعها، وشعب اكتشف بالتجربة قيمة وطنه.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية: الوعي الجمعي بما يجري حولنا.
لقد شاهد السعوديون خلال العقود الماضية دولًا كانت آمنة فتحولت إلى ساحات صراع، ومدنًا عامرة أصبحت أنقاضًا، وشعوبًا دفعت أثمانًا باهظة حين انهارت الدولة أو ضعفت هيبتها.
ومن يرى النار في بيوت الآخرين يعرف أكثر قيمة السقف الذي يحميه.
لهذا ازداد مفهوم الدولة رسوخًا في الوعي السعودي، وأصبح الأمن بالنسبة إليه ليس مجرد وجود رجل أمن في شارع، وإنما منظومة كاملة تبدأ بوحدة الوطن وتنتهي باستقرار حياة الإنسان اليومية.
حتى الإرهاب أخفق
لعل الإرهاب كان من أقسى الاختبارات التي مر بها المجتمع السعودي.
كان الرهان أن ينجح المتطرف في خلق صدام داخل المجتمع، وأن يجعل الدم طريقًا إلى الفوضى، وأن يهز ثقة الإنسان بأمن وطنه.
لكنه أخفق.
دُفع ثمن مؤلم، وفُقد رجال أمن ومواطنون أبرياء، وعاشت البلاد لحظات قاسية، لكن الدولة واجهت، والمجتمع وعى، وانكشف الفكر الذي كان يتستر خلف شعارات زائفة.
والأهم أن التجربة جعلت المجتمع أكثر مناعة.
وهذه سمة تتكرر في التاريخ السعودي:
نخرج من الأزمة ونحن نعرف عنها وعن أنفسنا أكثر مما كنا نعرف قبلها.
فالمحنة التي لا تكسر الوطن تمنحه مناعة ضد محنة مشابهة في المستقبل.
ومن البندقية إلى الهاتف
لكن التحديات تغيّرت.
لم يعد كل من يريد الإضرار بوطن يحتاج إلى سلاح.
أحيانًا يكفيه هاتف محمول وحساب مجهول ومعلومة كاذبة وصورة مجتزأة.
الحرب الحديثة يمكن أن تبدأ بشائعة.
خبر اقتصادي يُضخم.
حادثة فردية تُقدّم وكأنها ظاهرة وطنية.
خطأ مسؤول يُحوّل إلى اتهام للدولة بأكملها.
اختلاف اجتماعي يُدفع به حتى يصبح خصومة بين فئات المجتمع.
وهنا أصبح وعي المواطن جزءًا من الأمن الوطني.
لم يعد الدفاع عن الوطن مقتصرًا على الحدود؛ هناك حدود أخرى داخل العقل والوعي.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يسمح لغيره بأن يحدد له كيف يرى نفسه.
ولهذا فإن السعودي الواعي لا يرفض النقد، بل يحتاج إليه، لكنه يفرق بين النقد الذي يريد تحسين الوطن والخطاب الذي يتمنى انهياره.
الأول يقول: هنا خطأ يجب إصلاحه.
والثاني يقول: كل شيء خطأ.
وبين العبارتين وطن كامل.
سرٌّ لا يراه الخصوم
ربما يسأل أحدهم: لماذا تفشل الرهانات على تفكك السعودية؟
لأن هناك شيئًا يصعب قياسه بالأرقام.
إنه ذلك الشعور الذي يسكن الإنسان تجاه وطنه.
الوطن بالنسبة للسعودي ليس خريطة معلقة على جدار، ولا نشيدًا يردده في مناسبة، ولا جواز سفر يحمله.
إنه بيت أبيه.
وذكريات أمه.
ومدرسته الأولى.
ومسجد حيه.
والشارع الذي عرف فيه أصدقاء طفولته.
وقبر عزيز دفنه في ترابه.
ومستقبل أبنائه الذين يريد أن يعيشوا فيه بأمان.
حين يصل الوطن إلى هذه المنطقة العميقة من الوجدان يصبح العبث به أصعب بكثير مما يتخيله من يراقبه من بعيد.
القيادة والشعب.. علاقة صنعتها المواقف
ومن الإنصاف عند قراءة التاريخ السعودي ألا نفصل بين صلابة الدولة والتفاف الناس حول قيادتها.
فالعلاقة بين القيادة والمواطن لم تتكون في يوم واحد، وإنما بنتها عقود من المواقف والتجارب.
من الملك المؤسس عبدالعزيز، مرورًا بأبنائه الملوك الذين حمل كل منهم مسؤولية الوطن في مرحلة مختلفة، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بقيت الدولة تتغيّر وتتطور بينما ظل جوهرها قائمًا: دولة تعرف أن الإنسان هو غايتها، وشعب يعرف أن الدولة هي مظلة أمنه ووحدته.
وقد تكون هناك أخطاء، فالدول أعمال بشر، ولا توجد تجربة بشرية بلا أخطاء، لكن قوة الدول ليست في ادعاء الكمال، وإنما في قدرتها على المراجعة والتصحيح والتطوير والاستمرار.
والمملكة أثبتت أنها تملك هذه القدرة.
ماذا تعلمت من العقود التي عشتها؟
بعد كل هذه السنوات، لا أستطيع النظر إلى الأحداث بوصفها أخبارًا منفصلة.
السنوات تمنح الإنسان شيئًا لا تمنحه له قراءة الصحف وحدها: منظور الزمن.
فالحدث الذي يبدو هائلًا في لحظته تضعه السنوات لاحقًا في حجمه الحقيقي.
كم أزمة قيل إنها ستغيّر كل شيء ثم مضت!
وكم تهديدًا قيل إنه الأخطر ثم تجاوزه الوطن!
وكم شائعة ملأت المجالس ثم أصبحت بعد سنوات شيئًا لا يتذكره أحد!
وكم مرة تصور البعض أن المملكة تقف أمام منعطف لا تستطيع تجاوزه، ثم تجاوزته وبدأت مرحلة أكبر من سابقتها!
لهذا تعلمت ألا أحكم على قوة الوطن من ضجيج اللحظة.
الأوطان العريقة لا تقاس بصوت العاصفة، بل بقدرتها على البقاء بعد أن تهدأ العاصفة.
والسعودية بقيت.
بل إنها في كثير من المرات لم تكتفِ بالبقاء؛ تقدّمت.
المحنة التي أرادوها فرقة أصبحت لحمة
وهذه، في تقديري، أجمل مفارقات تاريخنا الوطني.
من أراد إخافتنا جعلنا أكثر إدراكًا لقيمة أمننا.
ومن أراد تقسيمنا ذكرنا بقيمة وحدتنا.
ومن حاول تشويه وطننا دفعنا إلى التعرف على منجزاته أكثر.
ومن راهن على المسافة بين القيادة والشعب اكتشف في اللحظات الصعبة أن المسافة تضيق.
ومن راهن على اختلاف المناطق وجد الجميع تحت راية واحدة.
ومن حاول اللعب على الأجيال اكتشف أن الابن قد يختلف عن أبيه في أسلوب الحياة، لكنه يلتقي معه عند الوطن.
وهكذا تحوّلت كثير من المحن إلى دروس في المواطنة.
لكن الحب وحده لا يكفي
وحب الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد عاطفة.
الوطنية الحقيقية مسؤولية.
أن تعمل بإخلاص وطنية.
أن تحافظ على المال العام وطنية.
أن ترفض الفساد وطنية.
أن تتقن عملك وطنية.
أن تعلم أبناءك احترام النظام وطنية.
أن تختلف بأدب وطنية.
أن تنتقد من أجل الإصلاح وطنية.
أن تتحقق قبل نشر الشائعة وطنية.
وأن تعرف أن سمعة بلادك جزء من مسؤوليتك حين تكون خارجها وطنية.
فالأوطان العظيمة لا يصنعها القادة وحدهم، ولا المواطنون وحدهم، وإنما تصنعها الشراكة الأخلاقية بين قيادة تتحمل مسؤوليتها وشعب يتحمل مسؤوليته.
وطن المستقبل
واليوم، ونحن نرى المملكة تخوض واحدة من أضخم مراحل التحول في تاريخها، فإن مسؤولية المحافظة على هذا الإرث تصبح أكبر.
المشاريع العملاقة مهمة.
تنويع الاقتصاد مهم.
التقنية والذكاء الاصطناعي والسياحة والصناعة والثقافة والرياضة مهمة.
لكن أعظم مشروع سعودي سيبقى دائمًا:
الإنسان السعودي.
أن يكون متعلمًا وواعيًا ومنتجًا وواثقًا بهويته، منفتحًا على العالم دون ذوبان فيه، معتزًا بتاريخه دون أن يعيش أسيرًا للماضي، قادرًا على النقد دون هدم، وعلى الاختلاف دون خصومة، وعلى الطموح دون أن ينسى وطنه.
هذا الإنسان هو خط الدفاع الأول عن المملكة، وهو أيضًا أداتها الأولى في صناعة المستقبل.
وأقولها شهادة عمر:
لست أكتب هذه الكلمات من نشوة لحظة عابرة، ولا من حماسة مناسبة وطنية.
أكتبها من حصيلة عقود عشت بعضها بنفسي، وقرأت عن بعضها، وسمعت تفاصيل بعضها ممن سبقونا.
رأيت أحداثًا أقلقت الناس.
وسمعت توقعات متشائمة.
وعايشت أزمات قيل يومها إنها استثنائية.
ثم رأيت الوطن يعبرها.
مرة بعد أخرى.
حتى أصبحت لدي قناعة أقولها وأنا مطمئن:
هذا الوطن لديه قدرة عجيبة على تحويل التحدي إلى قوة، والخوف إلى وعي، والمحنة إلى لحمة.
ولذلك، فإن الذين أرادوا بالسعودية سوءًا عبر تاريخها لم يفشلوا فقط في تحقيق ما أرادوا؛ بل أسهموا، من حيث لا يريدون، في تذكير السعوديين بما يجمعهم.
كل أزمة كشفت معدنًا.
وكل خطر أيقظ انتماءً.
وكل استهداف أعاد ترتيب الأولويات.
وكأن الوطن يقول كلما مر باختبار:
أنا لا أضعف بالمحن... أنا أتعرف في المحن على قوة أبنائي.
لقد قامت هذه البلاد على وحدة بعد فرقة، وعلى أمن بعد خوف، ثم تعاقبت عليها الأجيال وهي تضيف لبنة إلى البناء.
ولهذا فإن المحافظة عليها ليست مسؤولية جيل بعينه.
إنها أمانة تتناقلها الأجيال.
تسلّمنا وطنًا بناه آباؤنا، وعلينا أن نسلمه لأبنائنا أكثر قوة وازدهارًا وأمنًا.
وسيأتي بعدنا من يقرأ تاريخ هذه المرحلة كما نقرأ نحن اليوم تاريخ من سبقونا.
وسيكتشف الحقيقة ذاتها:
أن المملكة مرت بعواصف كثيرة، لكنها لم تكن ورقة في مهب الريح.
كانت شجرة عميقة الجذور.
تهز الريح أغصانها، لكنها لا تقتلعها.
بل ربما كان سرها كله في تلك الجذور:
قيادة وشعب، أرض وتاريخ، عقيدة وهوية، ذاكرة ومصير مشترك.
ولهذا، كلما اشتدت العاصفة تشبثت الجذور بالأرض أكثر.
وكلما ظن أحد أن المحنة ستفرقنا، جمعتنا.
وكلما راهن أحد على ضعفنا، اكتشف متأخرًا أن قوة السعودية لم تكن يومًا في ما تملك فقط...
بل في من ينتمي إليها.