أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1834.jpg?v=1771758255&w=220&q=100&f=webp

نايف آل نمرة

اللغة بوصفها سيادة.. لماذا تبدأ الدولة من لسانها؟

لا تبدأ السيادة من الحدود، ولا تُختزل في القوانين وحدها، بل تتجسّد أولاً في اللغة التي تُدار بها الدولة، وتُخاطِب بها مجتمعها، وتُنظِّم عبرها علاقتها بالإنسان. فاللغة ليست أداة محايدة، بل موقف حضاري يعكس وعي الدولة بذاتها وبما تريد أن تكون عليه.


ومن هذا المنطلق، يأتي قرار إلزام استخدام اللغة العربية في جميع القطاعات الحكومية والخاصة بوصفه إعلاناً هادئاً لكنه عميق: أن الدولة حين تُنظِّم وتُخدِّم وتُخاطِب، فإنها تفعل ذلك بلسانها، لا بلسانٍ مستعار. فالقرار ليس إجراءً لغوياً تقنياً، بل إعادة تعريف لمعنى السيادة في الفضاء العام، حيث تصبح اللغة أداة فهم، وحامل هوية، وركيزة للثقة بين المؤسسة والمجتمع.


من الرمز إلى الممارسة


لطالما حضرت العربية رمزاً للهوية، لكنها تراجعت في بعض السياقات المؤسسية لصالح لغات أخرى، خاصة في العقود والخدمات والإعلانات. وجاء هذا القرار ليعيد تصحيح المسار، وينقل العربية من خانة الرمز إلى فضاء الممارسة اليومية.


العربية هنا ليست زينة لغوية، بل لغة:


• للفهم العام،


• وتكافؤ المعرفة،


• وتوحيد الخطاب المؤسسي.


حين تتحدث المؤسسات بلغة المجتمع، يشعر الفرد أن الدولة تخاطبه مباشرة، لا عبر ترجمة.


اللغة بوصفها عدالة معرفية


في جوهر القرار فكرة جوهرية هي العدالة اللغوية.


فالفرد لا يكون شريكاً واعياً ما لم يفهم ما يُقدَّم له، وما يُطلب منه، وما يوقّعه. اللغة الواضحة تقلص الفجوة بين المؤسسة والمجتمع، وتجعل الفهم حقاً عاماً لا امتيازاً محدوداً.


حماية الهوية دون انغلاق


التمسك باللغة الأم في عالم مفتوح ليس انغلاقاً، بل وعي.


إلزام استخدام العربية لا يعني إقصاء اللغات الأخرى، بل إعادة ترتيب الأولويات: العربية أساس الخطاب، وغيرها أدوات مساندة عند الحاجة، بما يحقق التوازن بين الهوية والانفتاح.


اللغة والاقتصاد


اللغة العربية ليست عبئاً اقتصادياً، بل عنصر كفاءة.


فالعقود الواضحة، والخدمات المفهومة، والإعلانات القريبة من الجمهور، كلها تسهم في بيئة عمل أكثر شفافية واستقراراً، وتدعم المحتوى المحلي والكفاءات الوطنية.


الخاتمة


السيادة لا تُقاس فقط بالأنظمة، بل باللغة التي تُدار بها الدولة. وحين تُلزِم الدولة نفسها باستخدام لغتها، فهي لا تعود إلى الماضي، بل تُثبّت حاضرها وتؤسّس مستقبلها على أرضية واضحة المعنى.


إلزام استخدام اللغة العربية ليس قراراً لغوياً فحسب، بل ممارسة سيادية هادئة، تجعل الفهم حقاً، والثقة ممارسة، والانتماء نتيجة طبيعية.


هكذا تبدأ السيادة من اللغة، وهكذا تُدار الدولة حين تعرف أي لسان تختار.

18:09 | 14-02-2026

تأهل المنتخب السعودي لكأس العالم 2026.. انتصار يتجاوز الرياضة إلى الهوية والثقافة والرؤية المستقبلية

يشكل تأهل المنتخب السعودي لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم 2026 للمرة السابعة محطة تاريخية جديدة في مسيرة المملكة العربية السعودية الرياضية والثقافية، ليس فقط بوصفه إنجازاً رياضياً، بل بوصفه رمزاً وطنياً متجدداً يعكس نضج الهوية السعودية وقدرتها على المنافسة العالمية في كل الميادين. فالمسألة لم تعد مرتبطة بكرة القدم وحدها، بل هي امتداد طبيعي لحراك وطني شامل تشهده المملكة في ظل رؤية 2030، التي جعلت من الرياضة والثقافة والتراث أذرعاً متكاملة لتعزيز حضور المملكة عالمياً.

أولاً: التأهل الرياضي كبوابة لتعزيز الصورة الثقافية للمملكة

لطالما كانت الرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، لغة عالمية توحد الشعوب، وتفتح نوافذ للحوار الثقافي والحضاري بين الأمم. ومع تأهل المنتخب السعودي لكأس العالم 2026، تتجدد الفرصة أمام المملكة لتقديم صورتها الجديدة إلى العالم؛ صورة الدولة الحيوية، الشابة، المبدعة، والواثقة بهويتها وعمقها الحضاري.

الجماهير من مختلف القارات ستتابع المنتخب السعودي وهو يمثل بلاده، لكن ما وراء المستطيل الأخضر هو ما يميز هذا الحضور؛ قيم الأصالة، والكرم، والانتماء، والولاء للوطن، والتجذر في التاريخ العربي والإسلامي. هذه القيم هي جزء من التراث غير المادي السعودي الذي يمكن أن تنقله الرياضة بوسائل أكثر تأثيراً من الخطابات الرسمية.

ثانياً: التراث السعودي في ثوب رياضي عالمي

إن مشاركة المنتخب السعودي في المونديال ليست حدثاً رياضياً فحسب، بل فرصة لعرض تراث المملكة الثقافي الغني على المنصات العالمية. فكما يحتفل العالم بأداء اللاعبين في الملاعب، يمكن أن يحتفي أيضاً بما تحمله المملكة من ألوان فلكلورية، وأزياء تقليدية، وموسيقى وطنية، وأكلات شعبية تعبّر عن تنوع المناطق السعودية ووحدة الهوية الوطنية.

في كل مشاركة رياضية دولية، يمكن للمملكة أن تُبرز مفاهيم التراث الحي، عبر دمجها في البرامج المصاحبة، والحملات الإعلامية، والتفاعلات الجماهيرية. إن ظهور المشجعين السعوديين بملابسهم التقليدية، وأناشيدهم الحماسية، وشغفهم الوطني، هو امتداد للثقافة الشعبية الأصيلة التي تشكل جزءاً من ذاكرة الوطن وروحه.

ثالثاً: الرؤية السعودية 2030 والرياضة كأداة للتحول الثقافي

تسعى رؤية المملكة 2030 إلى جعل الثقافة والرياضة والترفيه ركائز أساسية في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح. ومن هذا المنطلق، فإن تأهل المنتخب السعودي لكأس العالم 2026 يُترجم إحدى ثمار هذا التوجه الإستراتيجي، ويعكس الاستثمار المتزايد في تطوير البنية الرياضية، ورعاية المواهب الوطنية، وتكريس مفهوم الرياضة كأسلوب حياة.

لكن الأهم هو البعد الثقافي: فالرؤية جعلت من الرياضة أداة لتعزيز الانتماء الوطني وتبادل الثقافات. ومع كل خطوة يخطوها الأخضر في المحافل الدولية، يخطو الوطن بدوره خطوة نحو ترسيخ حضوره الحضاري والثقافي على مستوى العالم.

رابعاً: التأهل بوصفه استعداداً لكأس العالم 2034

إن تأهل السعودية إلى كأس العالم 2026 ليس هدفاً بحد ذاته، بل مقدمة طبيعية نحو الهدف الأكبر؛ استضافة كأس العالم 2034. فهذه المشاركة ستتيح للمنتخب، وللاتحاد السعودي لكرة القدم، وللجهات التنظيمية، الاحتكاك العملي بأحدث التجارب التنظيمية والرياضية والإعلامية، مما يُعدّ إعداداً مبكراً ومتكاملاً لتلك الاستضافة التاريخية.

ومن الجانب الثقافي، ستتيح هذه المرحلة تشكيل صورة سعودية مبهرة للعالم؛ دولة تجمع بين الحداثة والعمق، بين التكنولوجيا والتراث، بين الملعب والمتحف، وبين الإنجاز الرياضي والهوية الثقافية. فمونديال 2034 لن يكون مجرد حدث كروي، بل سيكون كرنفالاً ثقافياً عالمياً يُعرِّف العالم على السعودية الجديدة؛ المملكة التي تصنع المستقبل دون أن تنسى جذورها.

خامساً: ارتباط الحدث الرياضي باستضافة إكسبو 2030

يتقاطع تأهل المنتخب السعودي مع الاستعداد الوطني الكبير لاستضافة إكسبو 2030 في الرياض، حيث تسعى المملكة إلى تقديم نفسها مركزاً عالمياً للإبداع والتبادل الثقافي. وكما أن «إكسبو» يُبرز الابتكار والنهضة العمرانية والاقتصادية، فإن التأهل المونديالي يبرز النهضة الإنسانية والروحية للمجتمع السعودي.

فكل حدث من هذه الأحداث الكبرى - المونديال، إكسبو، الرؤية - يشكل خيطاً منسوجاً في لوحة واحدة تعبّر عن روح السعودية الحديثة التي تتطور بثبات، وتعيد تقديم نفسها للعالم بثقافة منفتحة، وجذور راسخة، وقيادة ملهمة.

سادساً: أثر التأهل في الوعي الجمعي والهوية الوطنية

لا يمكن إغفال البعد النفسي والاجتماعي لهذا التأهل، إذ إنه يغذي روح الفخر والانتماء لدى الأجيال السعودية الجديدة. فالرياضة أصبحت وسيلة قوية لتوحيد المشاعر الوطنية، وتعزيز الثقة، وتحفيز الشباب على الإبداع والعطاء.

إن رؤية العلم السعودي يرفرف في محافل العالم، وسماع النشيد الوطني في الملاعب الدولية، هو تجسيد رمزي لقوة الثقافة السعودية المعاصرة، التي توازن بين الأصالة والتجديد، وبين التراث والإنجاز.

سابعاً: نحو مونديال ثقافي سعودي الطابع

من المهم النظر إلى تأهل المنتخب السعودي بوصفه خطوة نحو بناء منظومة ثقافية رياضية متكاملة، تجعل من الرياضة نافذة للهوية الوطنية، ومن الثقافة محركاً لروح المنافسة الرياضية.

فالمملكة اليوم لا تشارك فقط في البطولات العالمية، بل تسعى لأن تصوغ نموذجاً جديداً في استضافة الأحداث الكبرى، يجمع بين الأداء الرياضي الراقي والعرض الثقافي العميق.

خاتمة

إن تأهل المنتخب السعودي لكأس العالم 2026 يمثل أكثر من مجرد بطاقة عبور إلى بطولة رياضية، إنه تصريح بالجاهزية الحضارية للمملكة العربية السعودية، ورسالة للعالم بأن هذا الوطن يسير بخطى واثقة نحو المستقبل، مستنداً إلى ماضيه العريق وتراثه المتجذر، ومدعوماً برؤية وطنية شاملة يقودها طموح لا يعرف المستحيل.

وفي ظل التقاء هذه الأحداث الكبرى - مونديال 2026، مونديال 2034، وإكسبو 2030 - يكتب الوطن فصلاً جديداً من تاريخه، عنوانه:

«السعودية… حيث يلتقي التراث بالعالمية، وتولد من الرياضة ثقافة، ومن الثقافة مستقبل».

08:29 | 20-10-2025

ما تعلمته خلال عملي من البروفيسور سعد الصويان في علم اَلْأَنْثْرُوبُولُوجِيَا

في كل مسيرة مهنية هناك محطات فارقة، أشخاص وتجارب تشكل وعي الإنسان، وتعيد صياغة علاقته مع المعرفة، والهوية، والتاريخ. واحدة من هذه المحطات الفريدة في حياتي كانت عملي المباشر مع البروفيسور سعد الصويان في تأسيس وحدة الذاكرة السعودية بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. كانت تجربة جمعت بين العمل التقني والتوثيقي من جهة، والتعلم العميق من مفكر سعودي فذ من جهة أخرى.

اختيار لا أنساه: حين وضع ثقته بي

أفتخر كثيرًا بأنني، نايف آل نمرة، الاسم الذي اختاره البروفيسور سعد الصويان بترشيح كريم من صاحبة السمو الملكي الأميرة مها بنت محمد الفيصل «نائب الأمين العام آنذاك والأمين العام للمركز حالياً» وسعادة الدكتور عبدالله المنيف المشرف العام على المكتبات والمعلومات للمركز آنذاك للعمل معه لإدارة هذا المشروع الوطني الطموح.

لم يكن اختياري مجرّد ترشيح وظيفي، بل كان تجربة اختبار حقيقية لقدرتي على تحمّل المسؤولية، والصبر على الضغوط، والالتزام بمعايير علمية دقيقة بعد أن وضع عدة شروط للعمل معه، أذكر منها أن يكون شاباً نشيطاً وباحثاً لا يقل عن درجة الماجستير، وأن يكون شاعرًا، وأيضاً أن يكون بدوي الأصل لمعرفة اللهجات والعادات والتقاليد، وكل منها لها معانٍ عميقة بالنسبة له أدركت عمقها لاحقًا.

فمنذ اليوم الأول، شعرت أنني أمام تحدٍ حقيقي. التحدي لم يكن فقط في حجم العمل، بل في حجم الثقة التي منحني إياها هذا الرجل الذي لا يرضى بأقل من الإتقان. كانت التجربة غنية، وشاقة، وملهمة في آنٍ معًا. تحملت ضغوطًا متراكمة، سواء على مستوى الأداء أو التوثيق أو التفاعل مع مادة حساسة كالذاكرة الشفهية. ومع كل مرحلة، كنت أشعر أنني لا أقدم عملاً إداريًا أو تقنيًا فحسب، بل أشارك في كتابة جزء من التاريخ الثقافي الوطني.

البروفيسور سعد الصويان: عقلية أنثروبولوجية فريدة تجاوزت محيطها

البروفيسور سعد الصويان ليس مجرد باحث في التراث أو الأنثروبولوجيا، بل هو عقل ناقد، يمتلك رؤية حادة تجاه التاريخ الشفهي، ويتعامل معه كمنجم معرفي لا يقل أهمية عن الوثائق المكتوبة.

ولعل من أصدق الشهادات على مكانته الثقافية والعلمية فوزه المستحق بجائزة شخصية العام الثقافية ضمن مبادرة الجوائز الثقافية الوطنية في دورتها الرابعة لعام 1446هـ/2024م، تقديراً لإسهاماته البحثية في توثيق تراث شبه الجزيرة العربية، وهي جائزة تُمنح لقامات أثرت المشهد الثقافي السعودي بشكل نوعي. جاء هذا التكريم تتويجًا لمسيرة حافلة بالبحث الميداني، والتأليف، والجهود المتواصلة لحفظ الذاكرة الجمعية السعودية. وقد زادني هذا التقدير احترامًا لقيمة ما كنا نعمل عليه معه، وإدراكًا أعمق لجدية المشروع الذي كنا جزءًا من، وأيضاً جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2014 عن كتابه «ملحمة التطور البشري»، وجائزة أمين مدني للبحث في تاريخ الجزيرة العربية عام 2017 بالمناصفةً.

التسجيلات الشفهية: ما بين الصوت والذاكرة

كنا نعمل على جمع التسجيلات الشفهية، وتفريغها، وتحويلها إلى صيغ رقمية (MP3)، لتكون جزءًا من أرشيف حيّ لذاكرة الوطن. بدا الأمر في البداية معه كعمل تقني بحت: مقابلات، تسجيلات، تفريغ، وتنسيق. لكن ما لبث أن تحول هذا العمل إلى رحلة اكتشاف ثقافي واجتماعي، بفضل إشراف وتوجيه الدكتور سعد الصويان.

كان يحثني دومًا على الاستماع العميق، لا مجرد التفريغ الحرفي. أن نفهم السياق، النغمة، الدلالة الثقافية، ما وراء الكلمات. كان يردد: «الرواية الشفهية ليست نصًا فقط، بل مشهد اجتماعي، ونفسٌ ثقافي، ولا يمكن تفريغها دون وعي بذلك».

من التفريغ إلى الفهم: التعلم من الحكايات

خلال تفريغ المقابلات، وجدت نفسي أمام شخصيات تنتمي إلى عوالم متعددة داخل الوطن الواحد: بدو، حضر، زراع، تجار، شيوخ... كلٌ يروي ذاكرته، رؤيته، تأريخه الخاص. بدأت أتعامل مع كل مقابلة كقطعة فسيفساء في لوحة وطنية كبيرة.

تعلمت منه أن:

• كل قصة تستحق أن تُروى، حتى تلك التي تبدو بسيطة.

• الرواة ليسوا «مصادر»، بل شركاء في صنع التاريخ.

• علينا أن نتعامل مع اللهجة، والمفردات، والعادات داخل النص، لا أن نقوم بتهذيبها أو تسييسها.

• تحويل الصوت إلى نص لا يعني اختزال التجربة، بل يتطلب حسًا لغويًا وثقافيًا عاليًا لفهم النبرة والدلالة.

التقنية في خدمة الهوية

من المهام التي كنت مسؤولًا عنها أيضًا: تحويل التسجيلات إلى صيغة MP3، وفهرستها بطريقة تسهل أرشفتها وإتاحتها للباحثين مستقبلاً. ورغم أن هذا العمل بدا تقنيًا، إلا أنه حمل بعدًا رمزيًا عميقًا.

فكل ملف MP3 كنا ننتجه، لم يكن مجرد «صوت»، بل ذاكرة محفوظة من الضياع. وكل عملية تسمية وتنظيم للأرشيف كانت بالنسبة للدكتور الصويان خطوة نحو بناء هوية معرفية للوطن. علمنا أن التقنية ليست بديلاً عن الفكر، لكنها أداة عظيمة إذا ما وُظفت لخدمة مشروع وطني حقيقي.

التواضع العلمي والصرامة البحثية

من السمات التي أثّرت بي بعمق في شخصية البروفيسور سعد الصويان، هي الجمع بين التواضع العلمي والصرامة البحثية. لم يكن يقبل بتقديم عمل ناقص، أو تدوين معلومة غير مدققة، لكنه في الوقت ذاته كان يشجعنا على المبادرة والتجريب وكانت جملته الشهيرة لي «شمر يديك يا بن نمره».

كان يراجع النصوص بنفسه، ويطرح الأسئلة الدقيقة، دون أن يفرض وصايته الفكرية، بل كان يسعى إلى فتح الأفق لاكتشاف أبعاد جديدة في النصوص والروايات.

ما بقي معي بعد التجربة

انتهى المشروع، لكن ما تعلمته بقي حيًا في داخلي:

• أهمية الإصغاء للتاريخ، لا قراءته فقط.

• أن الرواية الشفهية ليست «بديلة» عن التاريخ الرسمي، بل مكمّلة ومصحّحة له أحيانًا.

• أن الُهوية لا تُصنع من فوق، بل تُبنى من قصص المجتمع المحلي.

• أن التوثيق مسؤولية، تتطلب النزاهة والدقة والاحترام.

• أن الثقة التي تُمنح لك من شخصية بحجم الدكتور الصويان ليست مجاملة، بل اختبارًا حقيقيًا لمسارك المهني والفكري.

خاتمة

العمل مع البروفيسور سعد الصويان لم يكن مجرد تجربة مهنية، بل كان تكوينًا فكريًا وإنسانيًا تعلمت من خلاله كيف أُصغي، وأوثّق، وأفهم، وأسأل، وأسجّل، وأبحث بالميدان، لا من أجل الأرشفة فقط، بل من أجل الحفاظ على ذاكرة وطن بأكمله.

وكل مرة أفتح فيها أحد الملفات التي عملنا عليها، أسمع أكثر من صوت: صوت الراوي، وصوت التاريخ، وصوت الدكتور الصويان، وصوت داخلي آخر يقول: لقد اجتزت التحدي يا نايف، وكنت على قدر الثقة.

وفي الختام، هذا أقل واجب ممكن أن أقدمه لشخصية تستحق الشكر والثناء، ولا يسعني إلا أن أرفع أكفّ الدعاء بأن يمنّ الله على أستاذنا الجليل البروفيسور سعد الصويان بالشفاء العاجل، وأن يمتّعه بالصحة والعافية، ويجزيه عن الوطن والعلم والثقافة خير الجزاء.
12:21 | 3-09-2025