تحميل...
لك أن تتخيل عزيزي القارئ روبوتاً طبيباً يدخل غرفتك بطريقة فجة، ثم يرفع ثوبك بعجل ويضع سماعته الباردة على صدرك دون خجل، ثم يرميك بكلمات طبية لا تفهمها ويُنذِرك بعملية جراحية طارئة سيجريها لك زميله الروبوت الجراح بعد دقائق، دون وعي بحالتك النفسية أو أخذٍ بوضعك الذهني. قد تنتهي العملية بالفشل لتعذر وضعك الصحي، فيأتي روبوت ثالث ليلقي على أهلك نبأ الفاجعة بوفاتك، فتولول النساء ويصرخ الرجال على حديد لا دم يجري في عروقه ولا دموع تسيل من عيونه. لا أرى البشرية ترضى بهذا الكابوس، غير أنها ستزج بالذكاء الاصطناعي حول الفريق الطبي من كل الجهات لإعانته على التشخيص الصحيح والتعاطي السريع وتجنب الأخطاء البشرية والإنذار المبكر بتدهور الحالة أو اعتلال الفحوصات وضبط جرعات الأدوية وتقليص تفاعلاتها السلبية مع بعضها.
لا أظن البشرية تخضع لأقدار يفرضها الذكاء الاصطناعي، بل تقطف من ثماره ما ناسبها. هنا يلوح السؤال المهم: ما الذي يمكن تحقيقه عبر الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب مما يريد البشر حدوثه؟ نقف الآن في مرحلة «الذكاء الاصطناعي المساعد» في جميع نواحي الحياة تقريباً، فلا جامع للمعلومات ومحلل للبيانات ومُلخِّص للتقارير وناصح للأهداف أفضل من هذا الوزير المطواع، فهو لا يكل ولا يخون ولا يتعثر، لكن التساؤل هنا فيما إذا كان الوزير سيأخذ دور سيده قريباً. لا شك أن الذكاء الاصطناعي سيسود بعض المهام باستقلالية تامة، لكن ذلك سيكون بإرادة بشرية عبر زمن ممتد وبقدرات تدريجية. سيحل الذكاء الاصطناعي محل الموظف المكتبي ومُدخِل البيانات وحارس الأمن والعامل والمنسق والمحرر والسكرتير والصراف وكل مهنة تنظيمية بلا لمسة إنسانية أحادية السبيل روتينية الصنعة، لا تتضمن عاطفة أو خيالاً أو ابتكاراً. من غير الوارد أن يسمح البشر بمساس المكونات الإبداعية والإنسانية والتفاعلية في أي وقت قريب، أو ربما يحاولون ذلك في بعض الاتجاهات ثم يتململون ويعودون أدراجهم. عدا أن قدرة الآلة على جلب الفكرة الخلاقة من العدم -أو ما نسميه الإبداع- هي محل خلاف شائك، ليست هذه السطور محلاً لنقاشه. لذلك لا أظننا نرى اختفاء الممرض والصيدلي والطبيب والمُسوّق والشرطي والقاضي والمحامي والمهندس والروائي والرسام والممثل والمخرج لأسباب تتعلق بمشيئة البشر أولاً ومقدرة الآلة على الإحلال التام ثانياً. لكننا بلا شك سنشهد شكلاً جديداً من الطب والهندسة والقانون والإبداع، يقوم فيه الذكاء الاصطناعي بدور المساعد التقني والتنظيمي والتحليلي.
الروبوت لا يصلح أن يكون طبيباً، فهو بارد المشاعر، ضعيف التفاعل، ساذج التدبير، أرعن التقدير للأولويات. قد يرد أحدهم بأن كل ذلك قابل للتغيير والتعلم الذاتي عبر لوغاريثمات مدخلة. يجهل من يتبنى هذا الخطاب الحاجة الإنسانية للتعاطف المعنوي والتفاعل التبادلي، ويجهل الأنواع الشتى لطبائع البشر مع اختلاف أعراقهم وأجناسهم وألوانهم، والديناميكية المتغيرة من يوم ليوم ومن فرد لفرد ومن حال لحال. قد يفوز الروبوت على الإنسان كخازن للمعلومات ومحلل للبيانات ومستلهم للنتائج، لكنه لن يجاريه أبداً في فن التعامل البشري واستقراء الحالة النفسية، لأنه خارج النطاق التعايشي أساساً، ولأن الإنسان كائن شديد الذكاء العاطفي وحاد الإحساس والإدراك. سيستيقظ البشر من نشوة هل نقدر ليجدوا أنفسهم في حيّز هل نريد. وفي النهاية أقول لن يستغني الطبيب عن معلومات وتوجيهات الروبوت، ولن يستغني المريض عن لمسة وتعهّد الطبيب.
أُقدّم اعتذاري في بداية المقال لكل من أقمت عليه حد الاستهجان بسبب نظرياته المؤامراتية في العقود الخالية، وبالذات أولئك من جيل الآباء. لقد كانت السنين الخمس الأخيرة حبلى بالمفاجآت التعيسة التي أظهرت صحة ما كان يحرّك تلك الذهنية المؤامراتية من توجّس وريبة. فمن فايروس يتسرّب من المختبر لكي يبيد العالم، ولقاح يخرج في أشهر معدودات لينقذه، وجزيرة يمارس فيها المسؤولون طقوساً جماعية من البغاء والمجون، وصهيونية شككنا بحجمها ونواياها اتضح أنها تُسيّر العالم الغربي على هواها، وإبادة يمارسها القوي أمام الكاميرات دون بنت شفة من الضعيف، وآلات ذكاء اصطناعي تتعاون لتشكّل وعياً جمعياً بهدف إخضاع البشرية، واقتصاد يعود بائساً إلى المعادن النفيسة لهشاشة أوراقه المالية، نجد أنفسنا مذهولين في صدمة مستمرة جعلتنا لا نستنكر شيئاً مهما بدت غرابته أو بانت وحشيته. كنا نستخف ونسخر من أقوال تدّعي أن اليهود يحكمون العالم، وأن حلم إسرائيل الكبرى من نهر النيل إلى الفرات، وأن بعض قادة العالم تجمعهم ماسونية باطنية، وأن حقوق الإنسان كذبة كبرى ابتدعها الغرب، وأن نهاية العالم قد تكون بفايروس مصنوع أو بذكاء مصطنع، حتى بتنا نعيش بعضاً من كل ذلك واقعاً في خمس سنين غبراء.
قال لي أحد الزملاء هازئاً: ما علينا من الآن سوى تصديق نظرية المؤامرة بدل التحليلات العلمية المملة، فقد صَدّقها امتحان الزمن.
غير أني بعد الاعتذار أجد نفسي مضطراً لشرح سبب رد تلك الذهنية المؤامراتية وإصراري على دفعها حتى الآن. سبب إحجامي عن تقبّل المؤامراتية لم يكن يوماً يقيناً بخطئها أو نفوراً من عجيب طرحها، بقدر ما كان رغبة صادقة لعدم الميل عن منهج العقلانية والتدافع بالدليل. قد يقبل العقلاني أغرب الأحداث وأحلكها إذا توالت أدلة ملامسته للواقع، وقد يدفع الواضح والمبهج منها إذا تواترت أدلة الحيد عنه. إلا أني بدأت أتفهم منهج الريبة وتوقع الأسوأ عند المؤامراتي وقفزه على المنطق لصنع استنتاجات استلهمتها قريحته، بسبب إدراك خفي عنده لطبيعة البشر الشريرة وفهم تاريخي لمعاودتهم الدورة الفاسدة ذاتها. يزيد هذا الإدراك مع تقدم العمر البيولوجي عند القارئ النهم للتاريخ والمتابع المتفاني للسياسة، مما قد يقوده إلى الإنصات للصوت التوجسي بداخله والابتعاد عن العقلانية الساذجة حسب رأيه. أتكلم هنا عن المؤامراتي المطّلِع المُلِم بطبيعة الحال، فهناك من يركب على الموجة من الجهلاء ليتقيأ استنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان، ودخول هؤلاء على الخط هو أكثر ما يُنفّر من الذهنية المؤامراتية. العقلانية في نهاية الأمر لها ما عليها، فهي ليست مطلقة حسب مدرسة هربرت سيمون، بل محدودة بضيق الوقت ونقص المعلومات والقيود المعرفية.
يقول سيمون أن العقلانيين في الغالب «إرضائيون» مجبولون دون علمهم على التوصل إلى أقرب الحلول المرضية عقلانياً، وليسوا «موسعين» في سعي متواصل منهك للوصول إلى أصدق الحلول العقلانية وأقربها للحقيقة. والعقلانية لا تصلح للإثبات، بل للتفنيد حسب مدرسة كارل بوبر، فلا يوجد هناك نظرية صحيحة بالإطلاق، وكل شيء قابل للتكذيب عبر التمحيص المستمر والإخضاع اللا متواني للتجربة العلمية، بهدف تفنيد ما ارتضاه العقلانيون أنفسهم. يوضح كل ذلك أن العقلانية تقدّم احترام العقل على بلوغ الحقيقة، وأنها منهج للتحري والشك أكثر منها أداة لبلوغ الواقع. فلا عجب إذن أن تكون العقلانية سبباً لدفع المؤامراتية بعيداً رغم فوز الأخيرة عليها جزئياً باختبار بلوغ الحقيقة في الآونة الأخيرة من الزمن.
قد يكون الأجدى للمؤامراتي أن يعترف بعبثية منهجه وتحجيمه للعقل قبل الرمي بنظرياته وإن أصابت، وللعقلاني أن يعلن أن الحقيقة وإن جانبها لا تستحق أبداً أن يقدّم لها عقله قرباناً.