أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1415.jpg&w=220&q=100&f=webp

منصور المرزوقي

تحول مقاربة التحالف العربي للأزمة في اليمن

تحولت مقاربة التحالف العربي، بما يتمثل في: رفع الحصانة عن الأعيان المدنية التي عسكرها الحوثي، استهداف سلاح الحوثي المزروع فيها، ارتفاع عدد الأهداف واتساع نطاقها الجغرافي.

فهل هو تحول إستراتيجي؟ أم تكتيكي؟ وما سياقه؟ وما انعكاساته على الأزمة؟

تُعرّف «الإستراتيجية» بأنها خطة تشمل تعريف الغايات، ووضع قائمة أهداف لتحقيقها، وتحديد وسائل تنفيذ للأهداف، مع وضع قائمة مخاطر وخطة للتعامل معها. والتحول الإستراتيجي لا يكون إلا بتغير الغايات.

وعليه، فالتحول تكتيكي، على مستوى الأهداف والوسائل، إذ لا تزال الغايات ثابتة: دعم عودة الحكومة الشرعية، ودعم عمل مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة التغلغل الإيراني من خلال أدواته الحوثية، واحتواء الخطر العابر للحدود (الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية).

ورؤية التحالف هي أن الحل سياسي، والحوثي جزء من اليمن ويمكنه لعب دور، ولكن وفق ثقله الديموغرافي ودون سلاح. والتعامل مع الخطر العابر للحدود يتم وفق: تطوير القدرات الدفاعية، رفع كلفة تهريب السلاح وتخزينه واستخدامه على المليشيات، والضغط عليها عسكريا لاستنزاف مخزونها منه، وإقامة الردع.

هكذا، يتحول الخطر من إستراتيجي إلى تكتيكي، بما يشبه عمليات الذئاب المنفردة (إرهابي يهجم على سوق، مثلا). تتعامل الدولة معه من خلال قدرات استباقية وخطوط دفاعية واستخباراتية وأمنية، وتتعايش مع وجوده مع ثقتها في القدرة على التعامل معه.

تلقى الإيرانيون عدة نكسات إستراتيجية. الأولى في منطقة جنوب القوقاز بعد حرب حليفتهم أرمينيا مع خصمهم أذربيجان. فأرمينيا خسرت الأراضي الواقعة على حدود إيران الشمالية، لصالح أذربيجان. وقد توافقت موسكو وأنقرة، بمعزل عن طهران، على ترتيبات أمنية لتلك المنطقة. بالإضافة، زاد نفوذ روسيا وإسرائيل هناك. والأقلية الإيرانية ذات الأصول الأذرية تعارض دعم النظام لأرمينيا. وبعد الحرب، أصبحت أذربيجان على حدود المناطق الأذرية في إيران. لذلك، تكافح طهران لحشد قدراتها الأمنية والعسكرية على الحدود مع أذربيجان.

ثانيا، خسرت المليشيات العراقية الموالية لإيران الانتخابات، مما وضعها في مواجهة مع الدولة العراقية، والقوى الفائزة، والشعب الذي صوت ضدهم. وتعبّر المحاولة الفاشلة لاغتيال الكاظمي عن أزمة إيران ومليشياتها هناك.

والثالثة هي تعقيدات الوضع في سوريا، حيث اضطرت طهران لإخلاء مواقع لها (مثل مطار التياس)، مع ازدياد التنسيق الروسي الإسرائيلي على حسابها.

رابعا، أزمة عاملها في بيروت (حزب الله الإرهابي) وغياب أفق الحل هناك.

كل هذا يضغط على موارد طهران ويضعف من موقفها إقليميا ومن شبكة مليشياتها الإرهابية الداعمة للحوثي. ودوليا، فقد حرر الانسحاب الأمريكي الكارثي من أفغانستان بعضا من قدراتها التي كانت مكبلة هناك، لكنه خلق مشاكل تجعلها بحاجة لشركائها الذين تتغطرس في التعامل معهم. أيضا، انتهت الإدارة الأمريكية مما أسميه «السنة الانتقالية»، وهي السنة التي يقضيها خبراء الإدارة في شرح الوقائع الجيو - إستراتيجية والجيوسياسية لقيادات البيت الأبيض لإيقاظها من أوهام «فصل الانتخابات السخيف».

أيضا، يستنزف التصعيد بين روسيا والناتو في أوكرانيا طاقات الغرب. وذلك يضعف من قدرة بعض الدول على استخدام الأزمة اليمنية كورقة مقايضات، كما حصل في معركة الحديدة. بالإضافة، تضغط هذه الأزمات على أسواق الطاقة، فيبرز دور المملكة.

نجح التحالف العربي في اختراق وتجنيد قيادات حوثية، مما أضاف عناصر مهمة لبنك أهدافه العسكرية. كذلك، المليشيات مستنزفة في جبهة مأرب. بالإضافة، هناك خلافات في داخل مليشيات الحوثي، تتمثل في:

- المعارضين لهيمنة الحرس الثوري وإملاءات قيادات حزب الله.

- الغاضبين من تهميشهم عند اقتسام الأموال.

- القائلين ببدء انحسار تحالفات مليشيات الحوثي وشركائها في الانقلاب.

في هذا السياق، يلعب الضغط العسكري لقوات التحالف العربي دورا مهما في تعميق هذه التحولات والخلافات ووضعها في الواجهة.

لا يعرف الحوثي كيف يعيش في بيئة الحل السياسي. ومصالح قياداته مبنية على حالة الحرب. وسيطرة الأيديولوجيا لا تسمح له بالتعاطي مع الواقع، بل تفرض عليه الإنكار والعيش في عالم موازٍ؛ لذلك، لا يبقى سوى الميدان العسكري. فمن المرجح ألا يكون لهذا التحول في مقاربة التحالف العربي أثر على موقف الحوثي من السلام إلا إذا تحول الاحتدام في المواجهات من تخوم مأرب إلى تخوم الحديدة.
23:52 | 28-12-2021

بدو النفط: بين نخيل قرية الفاو وناطحات السحاب في نيوم

طل علينا الموقف القديم/‏ ‏الجديد، الذي يعكس فكراً عنصرياً لدى بعض الأشقاء في الوطن العربي. وجاء هذه المرة -للأسف- من لبنان العزيز، ومن مسؤول عن وزارة نعلّق عليها الآمال في تعزيز وحدة العرب، ولمّ الشمل، وعودة لبنان لمحيطه العربي. وعنصرية وزير خارجية لبنان ليست بالأمر الجديد، بل هي تعبير عن عنصرية متجذرة، لدى بعض الأشقاء العرب، تعود في بعض جوانبها لما قبل الإسلام.

ويمكنني القول بوجود أربعة جوانب، أو عُقد، لما أسميه «التحيز البنيوي العربي تجاه المملكة العربية السعودية»؛ الأول يتعلق بعقدة لدى قلة من الأشقاء العرب تجاه الأصالة والأدب ومنظومة القيم الموجودة على هذه الأرض العظيمة منذ فجر التاريخ، مما جعل سوق عكاظ قبلة للعروبة ولنظام القيم في الحضارة العربية. والوجه الثاني يتعلق بنزول الوحي في مكة، مما جعل أم القرى قبلة الصلاة والعبادة لأمة جديدة، فأصبحت مكة عاصمة للحضارة الإسلامية. والوجه الثالث من هذا التحيز يعود لتأثر بعض الأشقاء العرب بأفكار الاستشراق الغربي العنصرية تجاه هذه الأرض العظيمة. ورابع هذه الجوانب يتعلق بظهور النفط وما صاحبه من إرادة، وحسن تدبير، وإدارة، وحكمة، ونهضة مدهشة. (كما يوجد تحيز بنيوي غربي تجاه المملكة، يغذي هذا التحيز ويتغذى منه، ولكن هذا حديث لمقام آخر).

هذه الإساءات والمواقف العنصرية ضدنا تلخصها عبارة «بدو النفط». وقد وُظفت هذه العبارة العنصرية إبان الحملات التوسعية باسم القومية العربية في الستينات والسبعينات، وكبرت حتى أصبحت بقرة سمينة يحتلب منها كثير من أشقائنا العرب في الحملات التي نتعرض لها الآن. يمتطون هذه البقرة وهم يتوهمون أنها فرس جدنا المهلب بن أبي صفرة الأزدي.

وكما وظفت الحملات التوسعية باسم القومية هذه البقرة، ها هي التوسعية الإيرانية والتركية والإسرائيلية، كل قد اتخذ من هؤلاء العنصريين بقرة يحتلبها.

موقف وزير خارجية لبنان العنصري يتنافى مع القيم الإنسانية. وهو موقف خارج عن التاريخ وعن الأخلاق وعن الأدب. كيف لأي إنسان عنصري أن يتحدث عن الحضارة؟ وكيف لأي شخص بهذا الأسلوب وهذه اللغة أن يتسنم قيادة وزارة خارجية؟

تحاول عبارة «بدو النفط» أن تستنقص منا، نحن أحفاد ملوك كندة وقيدار ودادان، وأصحاب عكاظ والمعلقات، وأهل السقاية والرفادة، وسدنة البيت وخدّامه، وحملة لواء الفتوحات التي حررنا فيها العراق من فارس والشام من الروم وفتحنا فلسطين، ومصرنا الأمصار، من خراسان شرقاً حتى الأندلس غرباً.

ومن تحيز هذه العبارة تعاميها عن حقيقة بسيطة مفادها أنه لا يوجد مكان في العالم إلا وفيه أثرٌ لنا من لغة وأدب وحكمة، فدونك حروف لغتنا وأوزان معلقاتنا وبلاغة أشعارنا وأمثالنا. ودونك مؤسسة الفكر العربي، ومؤسسة مسك، ومهرجان الجنادرية، ومهرجان سوق عكاظ، وإثراء، وألف ألف مؤسسة ومؤتمر ومهرجان وفعالية ثقافية أقمناها أو دعمناها كما يليق بمركز حضاري هادرٍ لا هامش.

لا توجد أرض إلا وفيها يد بيضاء تمتد للإنسان والمكان. فدونك مركز الملك سلمان ووقوفه مع من تقطعت بهم السبل في كل مكان، دون أي اعتبار لعرق أو دين أو لون أو جنس. فالإنسان هو مهوى الفؤاد في مركز الملك سلمان.

وهذا ملكنا خادمٌ للحرمين الشريفين، كما كان أسلافنا منذ مئات السنين، قياما على البيتين، وسقاية ورفادة لزوارهما. وها هو ولي عهده، صاحب الرؤية، ومشيد مدينة نيوم، حفيدة قرية الفاو!

انظر إلى أبناء وبنات هذه الأرض العظيمة، وأين أوصلوا تصنيف جامعاتنا بين جامعات العالم، والنشر العلمي، وأين بلغوا بمدننا ومستشفياتنا ومكانتنا بين الأمم! وما هم إلّا امتداد لقس بن ساعدة الإيادي، وأكثم بن صيفي التميمي، والأفعى الجرهمي.

وها هم أصحاب أسواق العرب القديمة أعضاء في مجموعة العشرين، ويستضيفونها. ومن كتب «دستور المدينة» ها هم للتو قد فرغوا من كتابة «وثيقة مكة». وما مركز الملك عبدالله للحوار بين أتباع الأديان والثقافات إلا امتداد لدار الندوة!

وناطحات السحاب في مركز الملك عبدالله المالي ما هي إلا امتدادٌ لأقدم تشييد عرفته البشرية جمعاء، «المستطيل» في العلا (قبل أكثر من ٧٢٠٠ عام، سابقًا لستون-هينج في بريطانيا والأهرامات في مصر).

بيت الحكمة الذي بناه جدنا العظيم هارون الرشيد، العباسي القرشي المكي، تقابله جامعتنا كاوست.

وها هم أبناء عمومتنا سادة وملوك وقادة في العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك خصومنا الذين كلما سمعوا صيحةً قالوا: منبتنا في بطحاء مكة!

وكل ما يعيبه علينا موقف وزير خارجية لبنان العنصري من بداوة، كانت هي سبب وقوفنا الصلب مع أشقائنا في كل مكان، في غابر الأزمنة وحاضرها.

فعندما ضاقت السبل بالنعمان بن المنذر، لجأ إلى حصن العرب المنيع، هؤلاء البدو العظام. وها هي مطارات الرياض وجدة ونيوم لا يزال يلوذ بها من ضاقت به السبل. يتفيأون بظلال سيوفها ونخيلها.

ومن خيمته في صحراء العلا الساحرة، جلس بدويٌ يشبه جبل طويق أنفةً وعزة، وخاطب النخل، قائلا:

يا أيها النخلُ

‏يغتابك الشجر الهزيل

‏ويذمُّك الوتد الذليل

‏وتظلُّ تسمو في فضاء الله

‏ذا ثمرٍ خرافي

‏وذا صبر جميل

الشاعر السعودي محمد الثبيتي.
00:23 | 20-05-2021