أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

محمد مفتي

سجينة طهران!

كان الصوت المزعج المفاجئ لمكابح السيارة المرسيدس التي توقفت على عجل أمام مقر إحدى كتائب الحرس الثوري المسؤولة عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعارضين كفيلاً بإيقافها لبرهة عن إتمام مهمتها، والتي اختصت هذه المرة بإعدام خمسة مراهقين -منهم «مارينا نعمت» مسيحية الديانة ومؤلفة كتاب سجينة طهران- عقب صدور قرار من الخميني بإعدامهم، وذلك قبل أن يلج الشاب «علي موسوي» من تلك السيارة طالباً تحرير وثاق «نعمت» ذات السبعة عشر ربيعاً بعد تقديمه أمراً موقعاً من الخميني باستبدال الإعدام بالسجن المؤبد، بدأ أفراد كتيبة الإعدام في حل قيودها من بين المراهقين المقيدين بجوار بعضهم البعض، في الوقت الذي لم تتوقف فيه الفتاة التي كانت بجوارها عن البكاء خلال تلاوتها آيات من القرآن الكريم.

فور خروجها من مقر الكتيبة تناهى إلى سمعها أصوات الرصاص وهي تخترق أجساد زملائها، لقد كانت تهمتها هي الانضمام لجماعة مناهضة للثورة، تتساءل الكاتبة مستنكرة: كيف يمكن لمراهقة الانضمام لجماعة مناهضة للنظام؟ وتروي خلال فصول الكتاب مأساتها التي بدأت بمناقشة حادة مع معلمة رياضيات لم تكن تتوقف عن مدح الثورة الإسلامية والتغني بمنجزاتها، والتي حرَّمت كل شيء بدءاً من الموسيقى والأغاني نهايةً بمساحيق التجميل، مروراً بالكتب الغربية والصور، كل شيء كان محرماً في عهد الخميني باعتباره رجساً من عمل الشيطان.

طلبت «نعمت» من المعلمة التوقف عن تملقها للنظام والتركيز على شرح المقرر الدراسي، فقامت المعلمة بطردها من فصلها، مما أدى لتعاطف زميلاتها واعتصامهن تضامناً معها، ولسوء حظهن كانت مديرة المدرسة إحدى المنتميات للحرس الثوري، فقامت بالتبليغ عنهن، وخلال أيام معدودة تم القبض عليهن جميعاً ومحاكمتهن، وقد كان أحد المحققين هو «الموسوي» الذي كان يشرف على التحقيق مع «نعمت» وقد أعجب بها وأغرم بوجهها الطفولي، واعتزم الزواج منها، فسعى إلى تبرئتها خلال التحقيقات، غير أن مساعيه لم تكلل بالنجاح حتى فوجئ بصدور حكم الإعدام ضدها.

لجأ «علي» لوالده وطلب مساعدته حيث كان والده صديقاً للخميني، وقد أسفرت مساعيه عن حصوله على حكم مخفف لمارينا بالسجن المؤبد بدلاً من الإعدام، كما طلب منها إشهار إسلامها ليتمكن من الزواج منها، وبعد إسلامها تزوجها وتمكن من تخفيف الحكم مرة أخرى لبضع سنوات تقضيها في دار زوجها كنوع من الإقامة الجبرية، غير أن زواجه من «مارينا» أسفر عن تغير جذري في فكره تجاه أعمال القتل الوحشية التي يقوم بها النظام ضد الأبرياء، فبدأ يرفض إطاعة الأوامر فصدر أمر من جلاوزة الخميني بتصفيته ليكون عبرة لغيره.

لم يتصور «علي» أن إنقاذه لمارينا سيكلفه حياته، وبعد أن قام النظام بقتله اضطرت «مارينا» للهرب من إيران والاستقرار في كندا للنجاة من موت محقق، وقد أوضحت في ثنايا الكتاب مقدار الفساد والوحشية التي كان يتمتع بهما نظام الخميني، فقد صدر حكم بإعدامها ثم تخفيفه لسجن مؤبد وأخيراً لإقامة جبرية؛ وهو ما يعني أن الأحكام كانت أقرب للهوى، وقد انتشرت في تلك الفترة الوشايات والقهر والتعسف، فكان يكفي أن يصل للخميني أو أتباعه خبر -غير موثق- عن معارضة شخص ما للنظام حتى يصدر حكماً فورياً بإعدامه، والعكس صحيح أيضاً، أي أنه كان يكفي أن تكون مقرباً بعض الشيء من النظام حتى تحصل على عفو استثنائي أو حتى على تبرئة، كان كل شيء طبقاً لهوى الخميني ورهناً لإرادته.

ما أشبه الليلة بالبارحة، فالنظام الذي كان يظلم الأبرياء من أربعين عاماً لا يزال يظلمهم ويعبث بمقدراتهم بنفس الوحشية حتى الآن، والمظاهرات الحاشدة التي اندلعت خلال الأشهر والأيام القليلة الماضية دليل دامغ على نفاد صبر الشعب الإيراني، وها قد بدأ العد التنازلي للنظام الذي اتضحت خلال الأيام الماضية تناقضاته وصراعاته الداخلية، وقد غدا أضعف من أن يبدأ نزاعاً عسكرياً مع الدول العظمى، لأنه يعلم مقدماً أنه بذلك يوقع شهادة وفاته بيده؛ كونه يفتقر لدعم القاعدة الشعبية له، ونأمل ألا يطول الزمن قبل أن يتمكن الشعب من إزاحته بعد أن جثم على صدره لعقود قضتها إيران في صراعات إقليمية وعقوبات اقتصادية، ويتمكن من استعادة استقراره مرة أخرى لتشرق شمسه من جديد.
00:34 | 1-02-2020

ثقافة الحياد

الحياد كمصطلح يكثر تداوله في سياقات عديدة، حتى على المستوى الدولي، وهو يتضمن في كثير من الأحيان تدخل دولة أو مؤسسة دولية لفض النزاع بين دولتين حتى لا يتطور الأمر إلى نزاع مسلح قد يأتي على الأخضر واليابس، ويرى الكثيرون أن مصطلح الحياد يفرض على الوسطاء الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وهذا صحيح غير أن ذلك يجب أن يكون لأجل محدد، وهو ما يعني أنه يتعين على الوسطاء الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف إلى أن يلموا بكافة جوانب القضية ويتعمقوا في تفاصيلها بشكل يمكنهم من إبداء رأي محايد لا يتأثر بالأهواء الشخصية، ولكن في نهاية المطاف يجب الانحياز لجانب الحق على حساب الباطل، والوقوف قلباً وقالباً مع الضحية ضد الجاني.

لقد لاحظت من تتبعي لكثير من الأخبار وعبر قنوات التواصل الاجتماعي توصيف البعض لدولة سويسرا بأنها دولة حيادية، بل ويتمنى كثيرون أن تحذو دول العالم حذوها في سياسة الحياد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: إن تعرضت هذه الدولة لهجوم مسلح أو حشدت إحدى دول الجوار قواتها العسكرية على حدودها هل ستقف حينئذٍ على الحياد؟ باستقراء التاريخ نجد أن سويسرا رغم إعلانها حيادها عام 1815، إلا أنها عندما وجدت نفسها هدفاً لغزو ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، أظهرت قوتها وحشدت 850 ألف جندي لصد أي هجوم محتمل ضدها، وهو ما يعني أنها أظهرت قوتها وبأسها واستبسلت عندما شعرت أنها باتت هدفاً مكشوفاً لأعدائها، ولم تتخذ نهج الحياد السلبي الذي لم يكن ليتركها إلا فريسة للنازيين.

كما أن الحياد في بعض الأحيان قد يستبطن مكراً للإضرار بأحد أطراف القضية، فعلى سبيل المثال عندما اندلعت حرب 48 بين العرب وإسرائيل اقتحمت الجيوش العربية فلسطين على عدة محاور، وكان النصر في البداية حليفاً للجيوش العربية، وقد تدخلت بعض الدول الغربية «تحت ستار الحياد» لطلب هدنة بين الأطراف المتنازعة لإعطاء فرصة لوسطاء السلام، غير أن مدة هذه الهدنة كانت كافية لإمداد إسرائيل بجسر جوي من العتاد العسكري، كانت كافية لقلب موازين القوة العسكرية لصالحها، وفرض نفسها كقوة عسكرية داخل الأراضي التي احتلتها.

من المؤسف أن تلوك بعض المنابر الإعلامية بعض المصطلحات التي سرعان ما يتلقفها جمهور وسائل التواصل الاجتماعي دون معرفة تاريخية كافية، ودون فهم عميق لمدلولات المصطلحات أو للسياقات التاريخية التي أنتجتها، فسياسة الحياد أو الدعوات لتبني هذا المنهج يجب أن توضع في سياقها الصحيح، وخاصة خلال هذه الفترة العاصفة المليئة بالاضطرابات الإقليمية والدولية، والتي لا يصح إطلاقاً أن يتخذ منها أي طرف موقفاً مائعاً رمادياً يسعى للتصالح مع جميع الأطراف دون تفرقة.
02:05 | 18-01-2020

وقفة مع نظام ساهر

منذ عامين تقريباً تطرقت لنظام ساهر، موضحاً أهمية ووجوب تغيير النظرة النمطية لهذا النظام المروري الفعال من اعتباره نظاما جبائيا إلى اعتباره منظومة مرورية هدفها الانضباط واحترام القانون والوعي بثقافة الصالح العام، وبعد مرور ما يقرب من الأعوام التسعة على إطلاق النظام، أريد أن أعرج مرة أخرى على بعض النقاط الضرورية التي أعتقد مدى أهميتها في تطوير النظام وفي زيادة فعالية تطبيقه بين جمهور المواطنين، ولعل أهم هذه النقاط ترتبط بتعريف قائدي المركبات بكافة التحديثات الطارئة على القواعد المرورية، والتأكد من أنه على وعي كافٍ بطبيعتها وبالهدف من إقرارها في المقام الأول والأخير.

من المسلم به أنه من شروط تطبيق أي نظام جزائي استيفاء كافة مسوغات تطبيقه، والتي تهدف جميعها لمنع حدوث المخالفة من الأساس؛ أي أنها لا تستهدف تطبيق العقاب كهدف في حد ذاته، فالعقاب أو الجزاء مهما كان نوعه هو مجرد أداة لإلزام المواطنين باتباع القوانين وحثهم على عدم مخالفتها، والغاية النهائية هي الحفاظ على الأرواح وتيسير الأمور المعيشية على المواطنين والقضاء على كل ما يحول دون قضائهم حوائج حياتهم اليومية على نحو سلس وبسيط بقدر المستطاع، ولعل تغليظ العقوبات في كثير من الأحيان يمنح الأنظمة المرورية المزيد من الانضباط والرقابة والفعالية والتأثير.

لقد تناولت بعض المواقع الإخبارية مؤخراً ما يفيد بأنه سوف يتم إيقاف توفير الخدمات لمن تتجاوز غراماته 20 ألف ريال، وفي اعتقادي أن وجود غرامة بهذا المبلغ الضخم يستدعي إيقاف سريان رخصة القيادة وليس مجرد إيقاف الخدمات، فالكثير من الدول تطبق نظام النقاط على رخصة القيادة، بحيث يتم إلغاء الرخصة من الأساس في حال تجاوز عدد معين من نقاط المخالفات، وعادة ما يتم منع صاحب الرخصة من القيادة لفترة معينة من الوقت، إلا أنه إذا كانت المخالفات المرورية جسيمة أو متراكمة فإنه يتم إيقاف سريان رخصة القيادة، الأمر الذي يتطلب منه إعادة تقديم طلب للحصول عليها مرة أخرى ولكن بعد فترة من الزمن ليست بالقليلة.

ما دفعني للتطرق لهذا الأمر هو وجود بعض المخالفات المرورية غير المعروفة للبعض، مثل مخالفة «تنظيم السير على الطرق»؛ وهي المخالفة المرتبطة بوقوف المركبة عند إشارات المرور على خطوط المشاة، فقد يجد البعض أنه لا غضاضة من التوقف على تلك الخطوط أثناء الإشارة الصفراء تجنباً لقطع الإشارة، مما يعرضهم للغرامة دون معرفة كافية من جانبهم بضرورة الالتزام بعدم الوقوف على خطوط المشاة، ومن تلك المخالفات أيضاً تجاوز الإشارة الضوئية، التي أصبحت المخالفة المتعلقة بها غير مطبقة فقط على من يتجاوز الإشارة الضوئية للأمام، وإنما أصبحت تطبق على من يتجه يميناً أثناء سريان الضوء الأحمر للإشارة من المسار الثاني أو الثالث وليس من المسار الأول في أقصى اليمين، وهي مخالفة قد يجهلها الكثيرون، ذلك أن أنظمة السير تفرض على الراغبين في الاتجاه نحو اليمين اتخاذ المسار الأول فقط.

من الأهمية بمكان ترسيخ مفهوم الانضباط العام من خلال آليات الانضباط المروري عبر نظام ساهر، وكما أسلفت في مقالي السابق يحتاج هذا الأمر لتنسيق جهود العديد من الجهات الحكومية وغير الحكومية، ولعله من الأهمية بمكان إنشاء آليات إعلامية ثقافية وتوعوية تختص بالدعاية والإعلان والتعريف بكل ما يستجد من قواعد ومخالفات مرورية يقرها نظام ساهر.
01:14 | 11-01-2020