-A +A
طلال صالح بنان
الدستور هو مؤسسة سياسية قائمة بذاتها، دون أن تكون بحاجة إلى رموز أو حقائب أو بيروقراطية أو مقاعد سلطوية.. أو إلى مبانٍ وأجهزة ومؤسسات حكومية. كما أن الدستور، بالإضافة إلى كونه مواد وفقرات وفصولاً وأبواباً مكتوبة، وأحياناً قد تكون غير مكتوبة، لا يشارك في حركة الصراع على السلطة.. ويظل حَكَماً نافذاً في حركة الصراع في ما بين أفرع الحكومة المختلفة، وضبط آليات العلاقة في ما بينها، وفقاً لصيغة الفصل بين السلطات.. أو افتراض التعاون بينها.

الدستور بهذه المكانة المؤسساتية الرفيعة الحاكمة والنافذة بين مؤسسات السلطة، في داخل المجتمع وحتى مجال حركتها الخارجي، فإن نفوذه وسطوته ومضمون حجية منطقية وجوده تختلف من نظام سياسي لآخر، تبعاً لمستوى التنمية السياسية في المجتمعات المختلفة.. وتاريخية شرعية أنظمة الحكم فيها.. ومدى دقة وانتظام حركة مؤسسات الحكومة.. وعلاقتها مع مؤسسات المجتمع المدني، وموقفها من قضايا الحقوق والحريات في المجتمع.

لنفهم الفرق بين دساتير الدول المختلفة، وما إذا كانت مواد الدستور وأحكامه تحظى بمكانة نافذة وفعالة في النظام السياسي، من عدمها، علينا أن ننظر بإمعانٍ في طريقة تعديله والإضافة إليه. علينا بدايةً: أن نقرر حقيقة أن الدستور ليس نصاً مقدساً مُنْزَلاً من قوة غيبية قاهرة، لا يمكن التدخل في نصوصه وأحكامه بالتعديل والإضافة. أي دستور، في حقيقة الأمر، لا يعدو كونه وثيقة سياسية تمت كتابتها من قبل بشر في مرحلة تاريخية سابقة لنشوء الدولة، أو لاحقة لقيامها. لكن الأصل: يُعد الدستور بمثابة عقد اجتماعي لنشوء السلطة السياسية في المجتمع، ومن ثَمّ قيام الكيان السياسي (الدولة).

الدستور، كما سبق ذكره قد يُكتب في ظل دولة قائمة. في هذه الحالة لا يكون وثيقة منشأة لكيان الدولة، بقدر ما هو وثيقة لتنظيم أو إعادة تنظيم لسلطة سياسية قائمة. أيضاً: في هذه الحالة الأخيرة لسنا بصدد الحديث عن دستور ذي مكانة قانونية وأخلاقية فاعلة، بقدر ما يكون عبارة عن إعادة كتابة نظام قيم جديد، لعهد ناشئ ليس بالضرورة يتمتع فيه الدستور بمكانة سياسية وقانونية وأخلاقية رفيعة ونافذة، كتلك التي يتمتع بها في صيغة عقد اجتماعي منشئ للسلطة تمهيداً لقيام الدولة.

هذا الفرق بين الدساتير في ما يخص تاريخية كتابتها، هو الذي يشكل الفرق بين دستور يتمتع بمرونة كافية لتعديله.. وآخر يسهل خَرْقَهُ ويفقد بالتالي حجيته الأخلاقية والقانونية.. وفاعليته السياسية. لكن لا تعني مرونة التعامل مع الدستور التطاول على الغاية من كتابته.. والتلاعب بمضمون نصوصه، وفقاً للهوى السياسي لحركة السلطة وقيمها في المجتمع.

النوع الأول من الدساتير، التي تحمل نصوص وأحكام تعديلها بموجب آليات تتفاوت درجة مرونتها من نظام سياسي لآخر يمثل نموذجها الدستور الأمريكي. الدستور الأمريكي هو في حقيقة الأمر وثيقة عقد اجتماعي أنشأ السلطة السياسية، تمهيداً لقيام الدولة، بدأ في ديباجته، بعبارة: نحن شعب الولايات المتحدة... وضعنا ورسمنا الدستور الآتي. وبما أن نتاج الدستور كان نشوء السلطة السياسية، ومن ثَمّ قيام الدولة وفقاً للغايات التي وردت في ديباجة الدستور، فإن دستور الولايات المتحدة من أكثر دساتير العالم جموداً، إذ يقتضي إجراء أي تعديل عليه موافقة ثلاثة أرباع أعضاء الكونغرس.. أو ثلاثة أرباع أعضاء السلطات التشريعية في الولايات. من هنا يصعب التلاعب بدستور الولايات المتحدة، إن لم يستحيل إعادة كتابته... والأهم: تستحيل عملية خَرْق أحكامه وتجاوز نصوصه، دون المساومة على استقرار الولايات المتحدة.. وانضباط الحكومة الفيدرالية، وضمان عدم جنوحها للاستبداد.. واحترام ضمان حقوق وحريات مواطني الجمهورية.

أما الدساتير الأخرى، التي تتغير بتغير قيم وحركة النظام السياسي.. وتغيير رموز السلطة وحركة مؤسساتها، فإنه ليس من الصعب فقط إعادة كتابتها وفقاً لهوى النخب الحاكمة... بل إنه مع وجودها ليست هناك من ضمانات عملية دون خرق نصوصها وتجاوز أحكام مضمونها، مع الادعاء باحترامها. كثيرٌ من دساتير العالم الأخرى تجري عملية إعادة كتابتها عشرات المرات، تبعاً لتغيير نخب الحكم فيها، خاصةً تلك التي تأتي عن طريق الانقلابات العسكرية.. والحروب الأهلية، والثورات الاجتماعية. معظم دساتير دول أمريكا اللاتينية جرت إعادة كتابتها عشرات المرات.. وكثيرٌ من دساتير دول عالمية وجودها مثل عدمها.. وبعضها لا يساوي المداد الذي كُتبت به، نظراً لعدم احترامها والتمادي في خرقها، رغم وجودها.

للحكم على استقرار وتقدم مجتمع من المجتمعات السياسي والحضاري، لابد من قراءة الدستور.. وإمعان النظر في طريقة تعديله.. والتبصر في تاريخية ظروف كتابته.

* كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com