-A +A
رامي الخليفة العلي
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن العشرين، لم تدخل القوات الروسية في امتحان عسكري حقيقي، لذلك حافظت على صورة ذهنية مرتبطة بقوة هي الثانية على مستوى العالم بعد الجيش الأمريكي، صحيح أن القوات الروسية خاضت معارك عسكرية طوال العقود الثلاثة الماضية، ولكن هذه المعارك العسكرية كانت محدودة ومع قوات معادية أقل منها قوة عسكرية وتنظيمية بفارق شاسع. قاد رئيس الوزراء الذي سيصبح الرئيس فيما بعد فلاديمير بوتين التجربة العسكرية الأولى بعد الانهيار من خلال الحرب الشيشانية؛ حيث كان الحل هو استخدام قوة نارية هائلة وتدمير ممنهج للحواضن الاجتماعية للمتمردين بما يمكن وصفه بالأرض المحروقة، فكان الإنجاز الروسي، وبشكل أدق إنجاز بوتين الذي فتح له قصر الكرملين. ثم تلا ذلك الحرب في جورجيا حيث كانت حرباً سريعة وخاطفة ومحدودة فرضت من خلالها موسكو كلمتها على الدولة القوقازية الصغيرة. توالت بعد ذلك الحروب المحدودة الروسية إما بشكل مباشر كما حدث عند احتلال شبه جزيرة القرم في أوكرانيا أو التدخل في سوريا والقضاء على المعارضة السورية المسلحة بالتحالف مع إيران والنظام السوري. أو بشكل غير مباشر كما هو حادث في أفريقيا عبر (مليشيات فاغنر) وهي مؤسسة عسكرية خاصة.

كل هذه التجارب العسكرية خرجت منها موسكو بانتصارات ساحقة، وكانت تمسك كل خيوط الصراع في أي مواجهة عسكرية من هذه المواجهات. الحرب الأوكرانية هي الامتحان الحقيقي الأول الذي تخوضه القوات الروسية منذ الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن العشرين، حيث إنها واجهت لأول مرة جيشاً حقيقياً ومنظماً، تم بناؤه على امتداد السنوات الثماني الماضية استعداداً لهذه اللحظة. منذ الأيام الأولى للحرب ثبت أن روسيا تعاني من نقاط ضعف كثيرة بل إنها تفتقد إلى خيوط الصراع الأساسية، ومن أهمها العماء الاستخباراتي، موسكو لم تكن على دراية بالخطط المهيأة للدفاع عن العاصمة الأوكرانية كييف، فكانت اندفاعتها الأولى خطوة باتجاه الجحيم فقدت من خلالها آلاف العناصر من جنودها دون تحقيق إنجاز يذكر، بل إنها اضطرت مرغمة إلى الانسحاب والتركيز على الجنوب والشرق بعد أن أظهرت فشلاً في الخطط العسكرية والدعم اللوجستي. حققت روسيا بعض التقدم في إقليم الدنباس وسيطرت على ميناء ماريوبول وتقدمت إلى ما بعد خرسون، لكنها في الوقت نفسه كانت غافلة عما يتم تحضيره في الطرف الآخر الذي لا يقتصر على الجيش الأوكراني وإنما معه دعم غربي وأمريكي على وجه الخصوص، خلال الأشهر الستة الماضية وصلت الأسلحة الغربية المتطورة إلى ساحات القتال وتخرج عدد كبير من عناصر وضباط من القوات الأوكرانية في معسكرات تدريب غربية لإجادة استعمال السلاح الغربي، والأسوأ من ذلك بالنسبة لموسكو أن القوات الروسية بتشكيلاتها وتحركاتها وخططها مقروءة بشكل كامل من الاستخبارات العسكرية الغربية وهذه المعلومات هي عملياً تحت تصرف القادة العسكريين الأوكران. بعد خداع عسكري أقنع الروس بأن الهجوم الأوكراني سوف يتم في الجنوب أدى إلى سحب القوات الروسية إلى مواقع المواجهة، جرى الهجوم الأساسي في أقصى الشمال مع بداية شهر أيلول/‏سبتمبر الجاري، تحديداً في خاركيف وكبد القوات الروسية خسائر فادحة وتقدمت القوات الأوكرانية لأكثر من 3000 كم.


لن ينهار الجيش الروسي ولكن هذه التطورات تجعل موسكو في مأزق سياسي وعسكري، الاستمرار في القتال سوف يزيد خسائر القوات الروسية إلا إذا استطاعت أن تمسك بعض خيوط الصراع المتفلتة من بين أصابعها ولا يبدو ذلك مرجحاً، أو الاحتمال الآخر هو التوقف والانسحاب وهذا سوف يكون كارثة وزلزالاً سياسياً في موسكو. هذا المأزق سوف يستمر وقتاً يتوقع البعض أن يكون سنوات.