-A +A
محمد مفتي
في ظل انتشار جائحة كورونا، اضطرت الكثير من دول العالم إلى تبني ما يصح أن نطلق عليه «نظم التعامل عن بعد»، سواء بالنسبة للموظفين أو الطلاب أو حتى التجار، ولأن الجائحة كانت مفاجئة تماماً وعلى نحو يصعب التحكم في نتائجها إلا من خلال فرض حظر التجوال بشكل كلي أو جزئي، لذلك اعتمدت نظم التعليم عن بعد في بعض المؤسسات التعليمية في القطاعين العام والخاص على بعض التطبيقات المتوافرة حينذاك، على الرغم من أنها لم تكن معدة للأغراض التعليمية تحديداً، مثل تطبيق زووم وغيره من التطبيقات المشابهة.

أما الجامعات فقد اختارت تطبيق البلاك بورد Blackboard الذي كان ضمن عدد من التطبيقات المخصصة لتدريس برامج التعليم عن بعد قبل إيقافها مؤخراً، ولكن من ناحية أخرى شكلت هذه الأزمة عبئاً إضافياً على مستخدمي هذا التطبيق كنتيجة مباشرة لتحويل غالبية المقررات الدراسية لمنظومة التعليم عن بعد، وهو ما شكل مشكلة ليس فقط للجامعات، ولكن أيضاً لبعض الطلاب، ولا سيما لمن لا يملكون منهم حواسب شخصية أو هواتف ذكية.


لاشك أن تعامل الأجهزة الحكومية في المملكة مع تلك الأزمة كان متميزاً ومتلائماً مع ما يتطلبه الحدث، إضافة إلى أن الإجراءات الاحترازية التي تم تطبيقها كانت متماشية مع تلك التي اتخذتها غالبية دول العالم وخاصة المتقدمة منها، وهو ما شكل -بفضل الله- سداً منيعاً ضد انتشار الفايروس، وعلى نحو لا يستدعي إعادة فرض حظر التجوال مرة أخرى لا قدر الله، وبصفة شخصية لمست خلال تجولي في بعض المرافق الوعي الكافي من غالبية أفراد المجتمع بأهمية تطبيق الإجراءات الاحترازية، كالتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات الواقية.

لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه: ما هو مستقبل المنظومة التعليمية بعد انحسار هذا الفايروس، هل ستستمر منظومة التعليم عن بعد؟ أم ستعود الدراسة لسابق عهدها؟ وقد حاولت على نحو عشوائي تتبع آراء الطلاب وأولياء الأمور من خلال قراءة تغريداتهم أوتعليقاتهم على تويتر، فوجدت أن البعض يرى أن يستمر التعليم عن بعد كخيار إستراتيجي، بينما يرى البعض الآخر أن التعليم قد يفقد تأثيره بسبب غياب التواصل المباشر مع الطلاب، بينما يرى فريق ثالث أن المنظومة التعليمية يمكن أن تشمل الجانبين؛ بحيث يكون هناك عدد محدود من الأيام للحضور، على أن يتم تدريس بقية المنهج من خلال المنصات الإلكترونية.

في اعتقادي الشخصي أن هناك بعدين أساسيين يجب أخذهما في الاعتبار عند اتخاذ هذا القرار، الأول هو أن المنظومة التعليمية لا تعتمد فقط على ما تقدمه المؤسسات التعليمية من إمكانيات برمجية، كمنصة زووم أو بلاكبورد أو غيرها حتى لو كانت بمستوى الجودة المطلوب، فهناك بنية تحتية يتعين توفيرها لأي تطبيقات تقدمها وزارة التعليم، فخدمات الإنترنت لا تزال في بعض المناطق (بل وحتى الأحياء) ضعيفة، وحتى لو تم ذلك فسيكون هناك نقطة تعثر بين الطالب والمدرس، يتمثل في خروج الطالب من المنصة وعودته لها بعد فترة، وهو ما قد يؤثر على مستوى تحصيله العلمي، أضف إلى ذلك أن تطبيق منظومة التعليم عن بعد تمثل لبعض الأسر تكاليف إضافية قد لا يتحملها بعضهم.

أما البعد الآخر (وهو الأهم) فيتعلق بطرق تقويم الطالب من خلال الاختبارات الصفية والمشاركة اللاصفية، إضافة إلى الاختبارات النهائية المباشرة التي لا يمكن الاستغناء عنها للوصول إلى تقييم محايد وموضوعي للطالب، وفي حال انتهاج التعليم عن بعد فإن ذلك سيحرم الطالب -وخاصة في سنوات دراسته الأولى- من المشاركة الصفية مع أقرانه من الطلاب، مما سيولد لديه شعوراً بالعزلة قد يؤثر على نمط تفكيره مستقبلاً.

أطلقت مؤخراً وزارة التعليم «منصة مدرستي» للتواصل مع الطلاب خلال الأسابيع الأولى من الدراسة، على أن يتم تقييم التجربة في ضوء مدى انتشار أو انحسار الفايروس لاحقاً، وهي بلا شك خطوة في الطريق الصحيح، وفي اعتقادي أن اتخاذ قرار تطبيق منظومة التعليم عن بعد من عدمه بعد انحسار الجائحة، يمكن اتخاذه كخيار موازٍ للانتظام ورديف له، بمعنى أن يكون هناك حضور صفي مباشر لا يقل عن ثلاثة أيام في الأسبوع، يمكن تخصيصها للمواد العلمية التي تتطلب استخدام المعامل الدراسية، على أن تكون «منصتي» أو «بلاك بورد» وأمثالهما متممة، وتتخصص في تدريس المحاضرات النظرية فقط التي لا تتطلب من الطالب الانتظام في الحضور، ويمكن تطبيق هذا النموذج الأخير كتجربة في بعض المدارس أو الجامعات، حتى يتم البت في مدى إمكانية الاستمرار فيها من عدمه.

كاتب سعودي

Prof_Mufti@

dr.mufti@acctecon.com