تلقيت كثيرا من التعليقات على مقالتي السابقة عن (40 عاما من التخطيط) في هذه الصحيفة، ومعظمها كان عدائيا تجاه الخطط الخمسية وما أوصلتنا إليه من أزمات متتالية، المساكن، البطالة، الصحة، التعليم، الخدمات العامة مثل المياه والكهرباء والمجاري والطرق والمواصلات والمرور... إلخ، وكلها في وضع لا تحسد عليه.
وتساءل القراء عن جدوى وجود وزارة التخطيط من أصله، حيث لا يوجد أي تنسيق بين الوزارات المختلفة، ولم تتحقق أي من أهداف الخطط السابقة التي تدعو إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتنمية الموارد البشرية وتحقيق التقدم والرفاهية للمواطنين!!
والحقيقة التي أعرفها أن العيب الأساسي ليس في الخطط الاقتصادية (وإن لم تكن تخلو من العيوب)، ولكن العيب ــ كل العيب ــ في التنفيذ السيئ أو التجاهل الكامل للخطط الاقتصادية الموضوعة.
خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي عبارة عن استراتيجية متكاملة لأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية توضع على المدى الطويل (25 سنة وأكثر) والمتوسط (5 سنوات) والقصير (سنة واحدة)، أو ما يعرف بالميزانية السنوية.
وهي تضع استراتجية واضحة ومحددة المعالم لما ترغب أن تصل إليه الدولة من أهداف اقتصادية واجتماعية خلال مسيرتها التنموية، فهي لا يمكن أن تسير بدون خارطة طريق توصلها إلى الهدف المطلوب. وإلا أصبحت التنمية تتم بطريقة عشوائية من سنة إلى أخرى بدون معرفة الاتجاه الذي نسير فيه والأهداف التي نرغب في الوصول إليها!، فالميزانية السنوية يجب أن تسير وفق الخطة الخمسية لتلك السنة، كما أن الخطة الخمسية يجب أن توضع وفق الاستراتيجية الكلية للاقتصاد الوطني طويلة المدى.
وعندما وضعت الخطة الخمسية الأولى، والتي بدأ تنفيذها في عام 1970م، كانت مواردها محدودة وأهدافها متواضعة، ثم جاءت الطفرة المالية الأولى عام 1974م حينما تضاعفت أسعار البترول وتضاعف بالتالي إيرادات الحكومة، فجاءت الخطط الخمسية الثانية 1975 ــ 1979، ثم الخطة الخمسية الثالثة 1980 ــ 1985 أكثر طموحا وشمولية وتنفيذا.
فخلال تلك الفترة 1975 ــ 1985 تم إنشاء كل البنية التحتية التي نراها اليوم: من طرق ومدارس وجامعات ومطارات وموانئ ومستشفيات وتحلية المياه ومدن صناعية في الجبيل وينبع ومساكن.. إلخ، حتى أنها كانت تزيد على الحاجة الفعلية في وقتها ــ آنذاك. ونفذت كل تلك المشاريع في زمن قياسي، وأصبحت السعودية مضرب الأمثال، حتى أني قرأت كتابا أجنبيا بعنوان (معجزة فوق الرمال) يصف النجاحات التي حققتها السعودية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية بهذه السرعة والدقة المتناهية.
ولكن دوام الحال من المحال، فما أن بدأت أسعار البترول في التراجع في منتصف الثمانينيات، حتى دخلت الخطط في نفق التخبط والعشوائية، وبدأت وزارة المالية في تولي زمام الأمور وفي الانحراف التدريجي عن أهداف الخطط الخمسية، وخفضت المصروفات بطريقة عشوائية غير مدروسة، وأوقفت الصرف على المشروعات التنموية الضرورية لنمو الاقتصاد، بينما كان المفروض أن يتم التخفيض بطريقة تدريجية مدروسة على حسب أهمية وأولوية المشاريع، وأن لا يكون التخفيض متساويا على جميع المشروعات، وأن يكون التخفيض على المشروعات غير الضرورية أو التي ليس لها أولوية، وإلغاء المصروفات التفاخرية الزائدة عن الحاجات الضرورية للمواطنين.
وهكذا كان يمكن تخفيض مصروفات الميزانية إلى النصف لمواجهة العجز في الإيرادات الناشئ عن انخفاض أسعار البترول، ولكن الذي حدث هو أن وزارة المالية لم تكن مؤهلة لإدارة الاقتصاد في وقت الأزمات، ولم يكن لديها القدرة والخبرة على ذلك، فهي في النهاية وزارة للمالية تتسلم الأموال من جهة، وتصرف الأموال من جهة أخرى، وليست وزارة لتسيير دفة الاقتصاد الكلي والتخطيط للمستقبل.
وقامت وزارة المالية بإدارة وتوجيه الاقتصاد الوطني بطريقة غير مدروسة، فهي تعطي بدون خطة واضحة.
أدى ذلك الانحراف التدريجي عن الخطط الخمسية إلى اتساع الفجوة بين الواقع والمأمول مع مرور السنين، ولذلك فإنه من الضروري إعادة الحياة لوزارة الاقتصاد والتخطيط، وإرجاع الصلاحيات لها، وجعل الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بمثابة الدستور الذي تسير عليه جميع الوزارات وجميع الأجهزة التنفيذية في الدولة، ولا يسمح لأحد بالخروج عن ما قررته الخطة إلا بقرار من رئيس مجلس الوزراء.
وما أدراك .. ما التخطيط؟
16 أبريل 2013 - 20:17
|
آخر تحديث 16 أبريل 2013 - 20:17
تابع قناة عكاظ على الواتساب