أصاب بكثير من القلق وأنا أرى الجرائم تزداد يوما بعد آخر، فبلادنا لم تكن تعرف هذا الكم منها ولا حتى بعض أنواعها، وهذا يستدعي دراسة متأنية لها ولأسبابها وطرق التعامل معها قبل أن تستفحل ويصعب التعامل معها حينذاك..
والجريمة هي كل عمل يخالف أنظمة البلد مهما كان حجمها؛ صحيح أن هناك جرائم كبيرة وأخرى صغيرة ولكنها في نهاية المطاف تشترك في المسمى وإن كان القانون يفرق بينهما في الأحكام وكذلك الشريعة الإسلامية المطبقة في بلادنا ومحاكمنا..
أعود إلى موضوع الجرائم فأقول: يكفي أن يتصفح الواحد منا الصحف الصادرة في بلادنا ليوم واحد ليعرف حجم الجرائم التي ترتكب في هذا المكان أو ذاك، وبشاعة بعضها، وغرابة البعض الآخر، وهذا هو المنشور في الصحافة ومن المؤكد أن هناك جرائم أخرى قد لا تنشر، وهذا يضاعف من مسؤوليات جهات الاختصاص التي تتعامل مع هذه الأحداث..
تصفحت بعض صحفنا اليومية فوجدت فيها الآتي: شاب يصرع صديقه بخمس رصاصات في تربة بسبب خلاف بينهما من قبل عشر سنوات!!
والشرطة تلقي القبض على ثلاثة أشخاص بسبب قتلهم مواطنا في العقير قبل ثلاثة أشهر، وقد قام القتلة بسحب مبالغ مالية من حساب المقتول عن طريق الصراف الإلكتروني!!
وامرأة تقتل زوجة طليقها بالرصاص في أبها، وتمت إحالة القاتلة للمحكمة للنظر فيها!!
ورجل يعمل في الأمن قام بقتل مواطن بالرصاص في تربة أمام منزله، وتم القبض عليه، وباشرت الجهات المختصة التحقيق معه!!
وبعيدا عن القتل فقد نشرت أكثر من صحيفة أن أعدادا من الطلاب في مدارس متوسطة يضربون معلميهم!!! حدث هذا في أكثر من مدينة. ويبدو أن المعلمين أصبحوا هدفا سهلا للطلاب؛ فالبعض يضرب، والآخر تكسر سيارته، وثالث يهدد بهذا الفعل أو ذاك!!
أقول: لعل هؤلاء الطلاب سمعوا بيت شوقي الذي يقول فيه:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
مسلسل الضرب بدأ يطال الأطباء، فأحدهم ضرب طبيبا في الجبيل بعقاله ثم بالكرسي أمام المراجعين، وسبب ذلك أن المعتدي طلب من الطبيب أن يعطيه إجازة مرضية، وعندما لم يقتنع الطبيب بما طلب منه كان عقابه الضرب المباشر مما استدعاه للذهاب إلى طبيب آخر لتلقي العلاج!!
الابتزاز نوع آخر من الجرائم التي غزت مجتمعنا وبشراسة، وهي تعد بالآلاف ، وبحسب صحيفة «الجزيرة» فإن هناك أكثر من عشرين ألف حالة ابتزاز وقعت خلال ستة أشهر!!
تخيل هذا الرقم الكبير، وتخيل أن هذا هو العلن فقط، ثم تخيل حجم الجرائم التي يقوم بها هؤلاء!!
ومع أنني أرى أن الفتيات سبب مباشر وأهم في كل ما يحدث، وأن العقاب يجب أن يطال الطرفين ـــ خاصة إذا كان ما يحدث برضاها ـــ فإني أدرك أن الفتاة هي الطرف الأضعف ودائما لأسباب كثيرة، ولهذا فإن ما تفعله هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـــ مشكورة ـــ في هذا الباب يعد من حسناتها، ولعلها تصدر دراسة عميقة عن هذه الظاهرة وسبل التعامل معها..
نوع آخر من الجرائم لم أسمع به إلا هذا العام، وما كنت أتوقع ـــ ولو بالخيال ـــ أن تقع هذه الجرائم لأنها مما يستحيل تدبيره!!
الشغب الذي وقع بمناسبة اليوم الوطني وكتب عنه بعض الصحف، وقام به شباب من بلادنا.
اليوم الوطني مناسبة يفرح بها الجميع.. يتذكرون ما قام به مؤسس بلادهم..
يتعرفون فيها على تاريخهم.. يتواصون بمواصلة الكفاح من أجل تنمية بلادهم..
لكن أن يقوم البعض بالسرقة والتدمير والاعتداء على ممتلكات الناس وأعراضهم فهذا ما لم أكن أتخيل أن يقع ولا شيء منه.. لكنه للأسف وقع، وتحولت أفراح البعض إلى مآتم..
أعتقد أن مصلحة كل واحد منا أن يعمل على تقليل الجرائم في بلده مهما كان نوعها، لأن الأمن لا يتحقق مع وجود الجريمة وانتشارها..
وزارة التربية والتعليم تتحمل جزءا كبيرا من هذا الواجب فملايين الشباب ـــ من الجنسين ـــ في مدارسها.. عليها أن تضع الخطط المناسبة لتربية طلابها بصورة حسنة.. قبل ذلك عليها أن تؤهل معلميها ليعرفوا كيف يستطيعون القيام بمثل هذا النوع من التربية!!
المعلم إذا لم يكن سعيدا في عمله فلن يستطيع القيام بشيء!!
وعلى وزارة الثقافة والإعلام دور قد يكون أخطر من دور وزارة التربية والتعليم..
إن على إعلامنا أن يعمل بكل قوته على التنفير من الجرائم، وأن لا ينشر شيئا يجعل الجريمة في أعين الشباب مستساغة أو نوعا من البطولة اقتداء بهذا «البطل» أو ذاك..
ووزارة الشؤون الإسلامية بمساجدها ووعاظها وبمن يستطيع الاستفادة منهم من كل العلماء والمثقفين وسواهم عليها أن تجعل هذه المسائل نصب عينيها، عليها أن تدرب خطباءها على القيام بهذا العمل التوعوي بما يلائم ثقافة المجتمع بكل فئاته.
بطبيعة الحال لا أغفل دور الأسرة، وأعتقد أن دورها يفوق كل الأدوار الأخرى، فالآباء والأمهات عليهم إدراك واجباتهم تجاه أبنائهم، عليهم متابعة هؤلاء الأبناء كل يوم ودون كلل أو ملل؛ هم المسؤولون أمام الله وأمام الناس..
يجب ألا نترك كل شيء للشرطة، بل يجب أن نعمل كل شيء لكي لا يكون هناك جرائم تصل إلى الشرطة، كل واحد يجب أن يكون شرطيا لأن الأمن ليس مسؤولية جهة واحدة، لأن الأمن إذا اختل أصبح المجتمع كله غير آمن..
مرة أخرى لابد من القيام بدراسات معمقة لدراسة هذه الظاهرة، لابد من إيجاد بدائل للشباب يفرغون فيها طاقاتهم بدلا من التخريب والإفساد.
* أكاديمي وكاتب سعودي
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 213 مسافة ثم الرسالة