نقطة تحول كبرى شهدها هذا اليوم الموافق للسابع عشر من رمضان هذا اليوم من السنة الثانية للهجرة حيث انتصر جيش المسلمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش المشركين (كفار قريش) في غزوة بدر الكبرى والتي لاتزال ذكراها خالدة, فتبوأت موقعاً ريادياً في التاريخ الإسلامي وفي أفئدة المسلمين, بعد أن انتصرت راية الحق والعدالة وأحبطت جيش الظلم والعدوان فسطرها التاريخ بمداد من ذهب لايزال بريقه يضيء سماء محافظة بدر التي اقترن اسمها باسم الغزوة الشهيرة واحتضن ترابها الأجساد الطاهرة ممن سقطوا شهداء غزوة بدر الكبرى, التي تمثل رداً صريحاً على المزاعم التي يرددها المرجفون بأن الإسلام دين قتل وسفك دماء وانه انتشر بحد السيف, فكانت تلك المعركة الفاصلة في ذلك اليوم الخالد لتكون ذكرى ناصعة تعود بنا إلى ألف وأربعمائة وستة وعشرين عاماً مضى, حين وقعت غزوة بدر الكبرى معلنة سلسلة من الفتوحات الإسلامية إرساءً للعدالة والمساواة ودحراً للظلم والطغيان, وتحولاً من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
يعود سبب الغزوة إلى أن كفار قريش اضطهدوا من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ممن أرادوا اللحاق به إلى المدينة المنورة حيث إخوانهم من الأنصار وفتنوهم في دينهم وطردوهم من مكة المكرمة وجردوهم من أموالهم حتى أصبح المسلمين في مكة مابين مفتون في دينه ومعذب في أيدي المشركين وبين هارب في البلاد فراراً بدينه, فتجبر كفار قريش على الله عز وجل وكذبوا ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فجاء الوحي الرباني بالإذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال انتصاراً للعدالة وإحقاقاً للحق وردعاً للظلم والطغيان الذي مارسه المشركون ضد المستضعفين من المسلمين الفارين بدينهم.. وتبعاً لذلك جاءت تفاصيل الأحداث لتؤكد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ولن يرض بالمهانة والذل لأصحابه لتتسارع بعدها وتيرة الأحداث شيئاً فشيئاً باتجاه المواجهة.
أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين بأن الظلم الذي مارسه صناديد قريش ضد المهاجرين من المسلمين لايمكن السكوت عنه وأن التحدي والبغي الذي كان عليه المشركون ما هو إلى بداية انتكاستهم, فجاءت فرصة مواتية للانتقام حين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيرا (قافلة) لقريش محملة بأموال طائلة تقدر بخمسين ألف دينار وحمولة ألف بعير يحرسها أربعون رجلاً فقط كانت في طريق عودتها من الشام إلى مكة المكرمة, فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لتعقبها واكتشاف أمرها في شمال المدينة المنورة كل من طلحة بن عبيداللَّه وسعيد بن زيد، فوصلا إلى الحوراء ، ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير (القافلة) فأسرعا إلى المدينة، وأخبرا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالخبر تمهيداً لضربة اقتصادية قاصمة لجيش المشركين ورداً على البغي والظلم الذي مارسوه ضد المسلمين في مكة. فأعلن صلى الله عليه وسلم في المسلمين قائلاً هذه "عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل اللَّه ينفلكموها". ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لأنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير - في غزوة بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية، ولذلك لم ينكر عليه الصلاة والسلام على أحد تخلفه في هذه الغزوة, فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فرسانا وسبعون بعيراً, بحيث يتعاقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد كما قسم جيشه إلى كتيبتين حيث قاد علي بن أبي طالب كتيبة المهاجرين فيما قاد سعد بن معاذ كتيبة الأنصار, فمضى الجيش الإسلامي غير المتأهب على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء ولما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى يساره، وانحرف يميناً يريد بدراً حتى بلغ وادي رحقان، ثم مر على مضيق وادي الصفراء ثم عبره حتى قرب من الصفراء، وهناك بعث صلى الله عليه وسلم مسلمين إلى بدر لاستقصاء أخبار العير (قافلة قريش) .
أما جيش المدينة فقد نقل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال في الطريق بوادي ذقران خبر نجاة قافلة قريش واستنفار جيش مكة وقدومه إلى بدر لقتال المسلمين ونجدة قافلتهم, فتأكد عليه الصلاة والسلام بأنه لم يبق مجال للاجتناب عن لقاء دام، وأنه لا بد من إقدام يبنى على الشجاعة والبسالة والجراءة والجسارة, فلو ترك جيش مكة يحوم حول المنطقة سيكون ذلك تدعيماً لمكانة قريش العسكرية، وامتداداً لسلطانها السياسي, وإضعافاً لكلمة المسلمين وتوهيناً لها، بل ربما تبقى الحركة الإسلامية بعد ذلك جسداً لا روح فيه، ويجرؤ على الشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة. وبعد هذا كله فهل يكون هناك أحد يضمن للمسلمين أن يمنع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة، حتى ينقل المعركة إلى أسوراها، ويغزو المسلمين في عقر دارهم كلا فلو حدث من جيش المدينة تقاعس ما لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم.
فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في معايشة لذلك التطور الخطير المفاجىء إلا أن عقد مجلساً عسكرياً استشارياً أعلى، أشار فيه إلى الوضع الراهن، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته. وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس وخافوا اللقاء الدامي، وأما قادة الجيش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول اللَّه امض لما أراك اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون, فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له به. وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأي قادة الأنصار، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم ، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار، وفطن ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ فقال: واللَّه لكأنك تريدنا يا رسول اللَّه؟
قال : أجل .. قال "فقد آمنا بك فصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول اللَّه لما أردت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إن لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة اللَّه .
ثم ارتحل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية ، وترك الحنان إلى اليمين - وهو كثيب عظيم كالجبل - ثم نزل قريباً من بدر.
وهناك قام بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه، وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه - سأل عن الجيشين زيادة في التكتم - ولكن الشيخ قال: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك، قال: أو ذاك بذلك؟ قال: نعم .
وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين ؛ علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض وجاؤوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم ورجوا أن يكونا لأبي سفيان - لا تزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة - فضربوهما موجعاً حتى اضطر الغلامان أن يقولا نحن لأبي سفيان فتركوهما .
ولما فرغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قال لهم كالعاتب إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا واللَّه، إنهما لقريش.
ثم خاطب عليه الصلاة والسلام الغلامين قائلاً أخبراني عن قريش، قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما كم القوم ؟ قالا كثير. قال: ما عدتهم؟ قالا لا ندري. قال: كم ينحرون كل يوم ؟ قالا يوماً تسعا ويوماً عشرا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف، ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو البحتري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف في رجال سمياهم , فأقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.