من القضايا المعقدة المرتبطة بمسألة التغير الاجتماعي، دور وموقع الأفراد والجماعات والقوى المختلفة الدافعة والكابحة وتأثير كل من العوامل المادية والأفكار في ذلك، وطبيعة التغيرات البنيوية والتوترات البنائية المصاحبة لها، كما يتطلب معرفة طبيعة المؤثرات الخارجية (الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية) ومدى تبلور اصطفاف منظومة عناصر من مصادر مختلفة حول هدف مشترك، إلى جانب ما تتركه الأحداث العنيفة من نتائج وأضرار مثل الغزو الخارجي والحروب الأهلية والكوارث الطبيعية والبيئية والمجاعات والأوبئة، توحي بعض الدراسات السوسيولوجية بان التغير الاجتماعي هو الاستثناء العارض وان استقرار الأنساق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومنظومة القيم والمعتقدات هو الثابت والتأكيد على الإجماع أكثر منه على التنوع والصراع الموجود داخل كل مجتمع . جميع المجتمعات على حد سواء تتميز بظاهرتي الثبات والتغير ومما يساعد على الاستمرار والثبات ما يسمى بوسائل الضبط الاجتماعي مثال العرف والتقاليد والموروث التاريخي والثقافي والرأي العام والقانون والتشريعات والأخلاق والتعليم، ناهيك عن قوى القمع والتخلف والجمود، وهناك من ناحية أخرى العوامل التي تساعد وتدفع باتجاه التغير الاجتماعي يأتي في مقدمتها نمو الوعي العام والثقافة والمعرفة وتبلور القوى والطبقات والفئات الاجتماعية (الحديثة) وتبلور مصالحها وأهدافها واستعدادها للدفاع عن هذه المصالح والأهداف وكذلك الدور الذي يلعبه الأفراد والجماعات (النخب) ومدى تفاعلهم وإرادتهم وطموحهم، كما تلعب الدولة (السلطة) غالبا دورا محوريا دافعا أو كابحا للتغير، وفي كثير من البلدان والمجتمعات وبخاصة المجتمعات العربية والإسلامية تلعب الأفكار والعوامل الروحية كقوة دفع تغيرية حتى في ظل تخلف أو عدم نضج المقومات المادية والاقتصادية، وفي هذا الإطار فان الإسلام في جوهره عامل أساسي في بناء وتقدم وتوازن الإنسان والمجتمع (دين وعبادات) روحيا وأخلاقيا، ومراعاة مقتضيات العمران والمصالح (دنيا ومعاملات) المرسلة العامة ، غير أن بعض التيارات والجماعات (الأصولية) المتشددة وبدوافع أيدلوجية وسياسية تسعى لفرض أجندتها الخاصة من خلال تفسيرها وتصويرها الخاص للإسلام وتقديمه على انه يعني الجمود والثبات (في الأمور الدنيوية) وضد الجديد والتغير علما بان الإسلام شهد أزهى وأبهى عصوره عندما تفاعل المسلمون مع المنجزات الحضارية السابقة والمجايلة كالحضارة الرومانية والفارسية واليونانية والهندية ، ولم يستنكفوا التعامل مع أهل الكتاب وغيرهم حيث اخذوا عنهم وأضافوا وتجاوزوا وتمثل ذلك في الحضارة العربية الإسلامية التي سادت العالم لعدة قرون، والجدير بالذكر انه يجب التفريق ما بين مفهوم التغير ومفهوم التقدم فليس كل تغير يحمل دلالة التقدم ولكن التقدم بالضرورة هو تغير، فقد يحدث التغير ولكن باتجاه الردة والنكوص والتراجع حتى إزاء المقارنة بالواقع القائم القديم، ففي بلدان عديدة من العالم ومن بينها بلداننا العربية حدثت فيها ثورات وانقلابات استهدفت تغير النظم السياسية والأوضاع الداخلية في بلدانها وكانت النتيجة – لأسباب وعوامل عديدة - كوارث وتخلفاً وردة بكل المقاييس وعلى جميع المستويات والأصعدة، وفي بلدان أخرى فان مفهوم العشيرة والقبيلة والطائفة وقيمها التقليدية الموروثة تعارضت مع أسس النظام السياسي الحديث ومفهوم الوطن الواحد والشعب الواحد واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلب حدا معينا من التجانس الوطني والتماسك الداخلي مما حد وعرقل من عملية التغير الاجتماعي أو شوهها . أنماط التغير الاجتماعي تتعدد من حيث درجة التوازن بين الاستقرار والتغير ومعدل التغير ووتائره من حيث السرعة أو البطء في بعض الفترات والمراحل وفي بعض المجالات وهنالك فرق بين عمليات التغير التدريجي (الإصلاحي) وعمليات التغير (القطع) الثوري كما أن أشكال التغير قد تتمظهر في خط واحد أو في خطوط متعددة ودورية، فالتغيرات المادية والاقتصادية دائما أسرع من التغيرات الاجتماعية والنفسية والفكرية، وهنالك أيضا مفهوم التغير النابع من داخل المجتمع وذلك النابع من خارجه، فالتغيرات التي حدثت في كل المجتمعات النامية نجمت من الخارج وبالتحديد من جراء نظام السيطرة الكولنيالية المعمد بالعنف الدموي في غالب الأحيان كما أدت السيطرة الصناعية والتكنولوجية الغربية على مرافق اقتصادية هامة وأساسية في المجتمعات النامية إلى إحداث جملة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المشوهة وعملت على خلخلة البنى التقليدية دون أن تقوضها وبما يحافظ على إحكام نظام الهيمنة والسيطرة الأجنبية من منطلق التبعية الشاملة في جميع المجالات . انه من الضروري معرفة أين يبدأ التغير داخل مجتمع معين وأي النظم يتعرض للتغير أولا وينطوي ذلك على إشكالية مزدوجة أولها تحديد عوامل التغير الاجتماعي والثانية القوى المؤهلة لقيادة التغير كما انه من المهم معرفة الظروف الأولية التي تنبثق عنها التغيرات والتي يمكن أن تؤثر بصورة جدية على مسار التغير الاجتماعي وهي ظروف غير متشابهة أو مكررة بل هي تحمل أصالتها و فرادتها في آن معا، ومن المهم معرفة إلى أي حد يمكن اعتبار التغير الاجتماعي شيئا خاضعا للصدفة أو تحكمه عوامل وأسباب موضوعية، ومع انه بوجه عام يعتبر التغير الاجتماعي تغيرا هادفا نتيجة أفعال هادفة صادرة عن أفراد واعين غير أن هذه الأفعال قد تؤدي إلى نتائج عكسية وضارة إذا لم تأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف الأطراف والجماعات والأفراد وقبل كل شيء مصالح التغير والتقدم الاجتماعي الحقيقي العام.