يسهم القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني بما يزيد على 100 مليار ريال في الناتج المحلي للمملكة، كما أنه مصدر دخل للملايين من المواطنين والمقيمين بشكل مباشر أو غير مباشر، وركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني، والتنمية المستدامة.
من المعروف على المستوى الدولي أن إسهام القطاع الزراعي في ظاهرة الاحتباس الحراري يزيد على 20%، وهو بذلك من القطاعات ذات البصمة البيئية العالية. ومن مظاهر النهضة البيئية التي تشهدها المملكة حالياً التوجّه لخفض البصمة الكربونية تدريجياً للوصول للحياد الصفري بحلول 2060، ولتحقيق ذلك طرحت العديد من المبادرات والبرامج ومنها برنامج إزاحة الوقود السائل الذي يهدف للتخلص من نحو مليون برميل مكافئ يومياً من الوقود السائل بحلول 2030 في قطاعات الصناعة، والزراعة، وغيرها باستبدال الديزل المستخدم في المولدات، ومضخات الري، بالربط بالشبكة الكهربائية، بهدف خفض استهلاك الوقود السائل بنسبة 95%. وتشترك في هذا البرنامج وزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة الطاقة، والشركة السعودية للكهرباء، وهيئة تنظيم الكهرباء، وصندوق التنمية الزراعية.
ولغير العارفين بشؤون الزراعة، فإن توفر الطاقة (سواء من الوقود السائل أو من الكهرباء أو غيرها) يعدّ ركناً أساسياً للإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني؛ حيث لا غنى عن الطاقة في رفع ودفع المياه من الآبار إلى الخزانات أو البرك أو مباشرة لشبكة الري، وفي تشغيل أجهزة التكييف في مشاريع الزراعة المحمية والثروة الحيوانية، ومستودعات التبريد، وفي تشغيل بعض الأجهزة والآلات والمعدات، وأغراض أخرى متنوعة.
أبعاد المشكلة
تكمن المعضلة في أن قرار رفع الدعم عن الديزل الزراعي بهدف التوجه للطاقة الكهربائية، اتخذ بشكل مستعجل، ودون اعتبار للآثار الاقتصادية، ودون تنسيق كافٍ مع شركة الكهرباء لمعرفة مدى جاهزية الشبكة لاستيعاب آلاف الطلبات الجديدة في فترة محدودة، ما جعل المزارعين يقفون في المنطقة الرمادية بين ديزل مكلف، وكهرباء غير متاحة، (كاتب هذه السطور على سبيل المثال، طلب منه الانتظار ما يقارب السنتين حتى يتم توفير الخدمة الكهربائية، رغم أن المزرعة لا تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن إحدى المحافظات، والمنطقة مغطاة بالتيار الكهربائي، فكيف الوضع مع الحيازات البعيدة؟)، هذا الارتباك والتأخير أدّى بدوره إلى تدني العوائد الاقتصادية للإنتاج الزراعي، بل وإلى توقف الإنتاج في بعض الحيازات الزراعية الصغيرة والمتوسطة، كما أن التحول السريع للطاقة الكهربائية تسبّب في زيادة الضغط على الشبكة، ما أدى بدوره إلى تكرار الأعطال وانقطاع التيار الكهربائي، وهذا أيضاً له تبعات اقتصادية مكلفة. وللهروب من هذه الورطة، توجّه العديد من المزارعين المقتدرين إلى الطاقة الشمسية على الرغم من تكاليف التأسيس المرتفعة، وربما كان الأجدى ببرنامج إزاحة الوقود السائل - لتحقيق مستهدفاته البيئية - أن يلتفت إلى دعم المزارعين الراغبين في التوجّه للطاقة الشمسية، فالتحوّل من استخدام الديزل إلى استخدام الطاقة الكهربائية لم يخرج من دائرة الوقود الأحفوري، حيث تستهلك محطات توليد الطاقة الكهربائية كميات هائلة من الديزل لتشغيلها.
خلاصة القول، خفض الأثر البيئي للقطاع الزراعي توجّه إستراتيجي مهم، لكن يبدو هنا أن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر كما يقول المثل الشامي، وهذا مرده من وجهة نظري -كما في بعض القرارات التي تمس القطاع الزراعي- إلى سببين: الأول ناتج عن فلسفة غير مقتنعة بجدوى المشاريع الزراعية الصغيرة والمتوسطة، وتعتبرها عبئاً على القطاع الزراعي، وبالتالي الضغط عليها لإخراج أغلبها من السوق، وهذا توجّه له عواقب اقتصادية وتنموية وخيمة، ويحتاج لمناقشة مفصلة، أما الثاني، فهو أن بعض القرارات تصدر دون دراسة مستفيضة، وبمعزل عن الواقع، ودون استشارة أصحاب الشأن، والاستماع لهم. وأختم بهذا السؤال: من المسؤول عن الخسائر التي مني بها العديد من المزارعين نتيجة هذا التنفيذ المرتبك للبرنامج؟.