حقق الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا فوزًا تاريخيًا بولاية رئاسية رابعة، وفقًا لما أعلنته المحكمة الانتخابية في البرازيل، في نتيجة مفاجئة خالفت توقعات استطلاعات الرأي، وتحدّت موجة التراجع التي تواجهها الحكومات القائمة في عدد من دول العالم، ووجهت ضربة جديدة لمساعي اليمين لتعزيز نفوذه في أمريكا اللاتينية.

في المقابل، رفض منافسه، السيناتور فلافيو بولسونارو، الابن الأكبر للرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الاعتراف بالهزيمة، معلنًا عزمه المطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات، استنادًا إلى قرار أصدره أحد قضاة المحكمة العليا يوم الأحد، قضى بتمديد فترة التصويت ساعتين إضافيتين.

وكان فلافيو بولسونارو قد تصدّر الجولة الأولى من الانتخابات، قبل أن يخسر في جولة الإعادة أمام لولا بفارق تجاوز 4 ملايين صوت، في نتيجة أربكت الأسواق المالية البرازيلية التي كانت قد راهنت على فوزه.

ويعيد رفض فلافيو التسليم بالنتيجة إلى الأذهان موقف والده عقب خسارته أمام لولا في انتخابات عام 2022، إذ لم يعترف جايير بولسونارو بهزيمته، قبل أن تحكم عليه المحكمة العليا لاحقًا بالسجن 27 عامًا، بعد إدانته بالتخطيط لانقلاب بهدف البقاء في السلطة.

ورجّح محللون أن تكون فرص إلغاء نتائج الانتخابات محدودة، في ظل اتساع الفارق بين المرشحين إلى أكثر من ضعف هامش خسارة جايير بولسونارو في انتخابات عام 2022، فضلًا عن أن حملة فلافيو نفسها كانت قد طالبت بتمديد التصويت بسبب الأمطار في المناطق الجنوبية ذات التوجهات المحافظة.

عودة استثنائية تعزز مكانة لولا

يمثل الفوز محطة جديدة في المسيرة السياسية الاستثنائية للولا، البالغ من العمر 80 عامًا، والذي يُعد أحد أبرز رموز اليسار العالمي وأكثر الشخصيات تأثيرًا في السياسة البرازيلية خلال القرن الحالي.

وكان لولا قد سُجن بين عامي 2018 و2019 على خلفية اتهامات بالفساد، قبل إلغاء الأحكام الصادرة بحقه، وهو ما مهّد الطريق أمام عودته إلى المنافسة السياسية وفوزه على جايير بولسونارو في انتخابات عام 2022.

وقالت النائبة اليسارية إريكا هيلتون، التي تابعت فرز الأصوات إلى جانب لولا في ساو باولو، إن الرئيس البرازيلي «رجل دولة وقامة كبيرة»، في إشارة إلى مكانته السياسية وقدرته على العودة إلى السلطة رغم العقبات التي واجهها.

ولم يكن فوز لولا مضمونًا طوال الحملة الانتخابية، إذ أبدت قطاعات من الناخبين استياءها من أدائه ومن حزب العمال الذي يتزعمه، في ظل تراكم فضائح الفساد وارتفاع الأسعار، إلى جانب تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة دفعت بعض منتقديه إلى القول إنه لم يعد مواكبًا لاقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على التطبيقات الرقمية والعمل غير الرسمي.

لكن الإقبال على التصويت، الذي جاء أفضل من المتوقع، أسهم في ترجيح كفة الرئيس المنتهية ولايته، بحسب تقديرات محللين ومؤسسات استطلاع.

وقال ليوناردو باريتو، الشريك المؤسس لشركة «Think Policy» للاستشارات، إن الناخبين فضّلوا المسار المألوف الذي يمثله لولا على خيار التغيير الذي يطرحه منافسه، موضحًا أنهم اختاروا طريقًا معروفًا يضمن لهم حقوقًا معينة بدلًا من خوض تجربة جديدة تحيط بها المخاوف.

الاقتصاد والعدالة الاجتماعية في قلب الحملة

ركز لولا خلال حملته على سجله في مكافحة الفقر والحد من التفاوت الاجتماعي، مشيرًا إلى تراجع البطالة والأمية وإزالة الغابات إلى مستويات قياسية منخفضة خلال ولايته الثالثة، وفقًا لما عرضه في حملته الانتخابية.

كما حذّر من أن وصول فلافيو بولسونارو إلى السلطة قد يؤدي إلى تقليص الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية والتراجع عن المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال السنوات الماضية، فضلًا عن تهديد استقلالية القرار البرازيلي في ظل التقارب المتوقع بين منافسه والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ويحرم فوز لولا ترامب من حليف محتمل إضافي ضمن كتلة الحكومات اليمينية المتنامية في أمريكا اللاتينية، التي تبنّت توجهات متقاربة مع واشنطن في ملفات الأمن والهجرة.

ولم يصدر تعليق فوري عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو وزارة الخارجية الأمريكية بشأن النتيجة، في حين سارع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني وعدد من قادة أمريكا اللاتينية إلى تهنئة الرئيس البرازيلي بفوزه.

واعتبر سيلسو أموريم، وزير الخارجية البرازيلي الأسبق وأحد المقربين من لولا، أن إعادة انتخاب الرئيس ستسهم في تحقيق التوازن السياسي داخل أمريكا اللاتينية، مضيفًا أن لولا يمثل هذا التوازن في المنطقة.

وعود اجتماعية لتعزيز الدعم الشعبي

وأصبح لولا أول مرشح يُنتخب رئيسًا للبرازيل منذ عودة البلاد إلى الحكم الديمقراطي في ثمانينيات القرن الماضي، رغم حلوله في المركز الثاني خلال الجولة الأولى من الانتخابات.

واعتمدت حملته على مزيج من البراغماتية والخطاب الشعبي اللذين ميّزا مسيرته السياسية الممتدة لنحو نصف قرن، مع طرح حزمة من الإصلاحات التي تستهدف تحسين الظروف المعيشية للعمال والفئات محدودة الدخل.

وشهدت الأيام الأخيرة من الحملة تعهدات اجتماعية إضافية، من بينها إتاحة النقل العام مجانًا على مستوى البلاد خلال عطلات نهاية الأسبوع، وهو مقترح يتطلب تقديمه رسميًا إلى الكونغرس، إلى جانب زيادة بنسبة 15% في قيمة برنامج الرعاية الاجتماعية، الذي يُعد أحد أبرز ركائز سياساته الاجتماعية، وهي زيادة بدأت الحكومة بالفعل تنفيذها.

كما دعم لولا تعديلًا دستوريًا أقرّه الكونغرس، ووُصف بأنه أحد أكبر إصلاحات سوق العمل في البرازيل منذ عقود، وحظي بتأييد واسع من أعضاء البرلمان.

كونغرس محافظ يهدد بتعقيد الولاية الرابعة

رغم الانتصار الانتخابي، تبدو الولاية الرابعة للولا مرشحة لأن تكون من أصعب مراحل مسيرته السياسية، في ظل انتخاب كونغرس يُعد الأكثر محافظة منذ عودة البلاد إلى الديمقراطية في ثمانينيات القرن الماضي.

ومن المتوقع أن يمتلك الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه جايير بولسونارو، إلى جانب الأحزاب المتحالفة معه، أكثر من 280 مقعدًا في مجلس النواب، وما يصل إلى 50 مقعدًا في مجلس الشيوخ، بما يمنح المعارضة اليمينية أغلبية مريحة في المجلسين.

وقد يؤدي هذا التوازن إلى زيادة الضغوط على الرئاسة ودفع الحكومة إلى تقديم تنازلات للكونغرس بشأن الموازنة العامة والتشريعات الرئيسية والتعيينات المهمة، في ظل اتجاه متزايد نحو تعزيز نفوذ المؤسسة التشريعية على حساب السلطة التنفيذية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تواجه الحكومة توقعات بنمو لا يتجاوز 2.3% خلال العام المقبل، إلى جانب ضغوط مالية مرتبطة بارتفاع أسعار الفائدة وتزايد الدين العام، الذي تجاوز 82% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ جائحة كورونا.

وتوقعت مؤسسة «غولدمان ساكس» أن يحقق لولا تقدمًا محدودًا، في أفضل الأحوال، على صعيد احتواء الإنفاق الحكومي خلال ولايته الرابعة، في ظل تمسكه بنموذج اقتصادي يمنح الدولة دورًا محوريًا في تحفيز النمو.

كما يثير ارتفاع ديون الأسر مخاوف الاقتصاديين، في وقت حاولت فيه الحكومة معالجة المشكلة من خلال فرض حظر مؤقت على المراهنات عبر الإنترنت، والإعلان عن برنامج جديد لتخفيف أعباء الديون خلال الحملة الانتخابية.

في المقابل، يُرجّح أن يدفع الكونغرس اليميني نحو إقرار إصلاحات هيكلية تصب في مصلحة قطاع الأعمال، وهو ما قد يفرض على الحكومة خفض بعض أوجه الإنفاق، بما ينذر باحتمال اندلاع ردود فعل شعبية إذا انعكست تلك الإجراءات سلبًا على الفئات الأكثر احتياجًا.

الأسواق تترقب تداعيات النتيجة

انعكست نتيجة الانتخابات سريعًا على الأسواق المالية، وسط توقعات بتراجع الرهانات الاستثمارية التي بُنيت على احتمال تغيير الحكومة، وهو ما قد يزيد تقلبات الأسواق خلال الأيام المقبلة.

وسجل صندوق متداول في البورصة اليابانية يتتبع مؤشر «بوفيسبا» البرازيلي هبوطًا يقارب 15% خلال التداولات الآسيوية عقب الإعلان عن فوز لولا، فيما كان الريال البرازيلي مهيأً لتراجع حاد أمام الدولار الأمريكي.

وتعكس هذه التحركات حجم الرهانات التي وضعتها الأسواق على فوز فلافيو بولسونارو، ومدى القلق من استمرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يتبناها لولا.

وبينما يمنح الفوز التاريخي الرئيس البرازيلي تفويضًا سياسيًا جديدًا لمواصلة برنامجه الاجتماعي والاقتصادي، فإن نجاحه في تحويل هذا الانتصار إلى نتائج ملموسة سيظل مرهونًا بقدرته على احتواء المعارضة داخل الكونغرس، والسيطرة على الدين العام، وتحفيز النمو، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في بلد لا تزال انقساماته السياسية عميقة.